المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 10 يوليو 2026
محمد عطية الشرقي - المشرف العام رئيس التحرير

من الوادي إلى الجبل … في معية الشَّيخ محمَّد بن جابر الأحمري

ما كلُّ مسيرٍ تُحصيه الفراسخ، ولا كلُّ رحلةٍ يطويها الطَّريق؛ فإنَّ من الأسفار ما يكون انتقالًا بين موضعين، ومنها ما يتجاوز ظاهر الأرض إلى باطن المعنى، حتَّى يغدو اليومُ صحيفةً منقوشةً في الذَّاكرة، لا تُبليها الأعوام، ولا تطويها عوادي النِّسيان.

ومن هذا الضَّرب كانت رحلتنا من الوادي إلى الجبل، في معية الوالد الشَّيخ محمَّد بن جابر الأحمري، شيخ قبائل جرّ الأحمري بمحافظة القنفذة، قاصدين قصر الشَّيخ محمَّد بن عضوان الأحمري بقرية بيحان في بلاد بللحمر بسراة عسير، في زيارةٍ أخويةٍ كريمة مساء يوم الخميس الرَّابع والعشرين من شهر محرَّم سنة ١٤٤٨هـ، ضمن وفدٍ رفيع السَّمت، جليل القدر، ضمَّ عددًا من شيوخ وأعيان ووجهاء قبائل محافظة القنفذة.

كانت الرِّحلة تستلُّنا من وهاد تهامة استلالًا، ثمَّ تصعد بنا في معارج السَّراة؛ فتتنحَّى السُّهول رويدًا، وتنتصب الجبال في جلالها، وتضيق الأرض منبسطةً لتتَّسع شامخةً، حتَّى خُيِّل إلينا أنَّنا نرتقي من أديم الأرض إلى حواشي السَّماء.

تركنا وراءنا أودية القنفذة في سكونها المديد، ومضينا نحو الجبل في صمته المهيب؛ من أرضٍ تبسط كفَّها للبحر، إلى ذُرى ترفع هامها للغيم، ومن سهولٍ يتَّسع فيها البصر، إلى قممٍ تتوسَّد السَّحاب، وتستأنس بالضَّباب، وتلوذ بها القرى كما تلوذ الجواهر بأطراف العقود.

وكان الطَّريق، كلَّما ارتقى بنا، يكشف من محاسن السَّراة ما يستوقف الطَّرف، ويستفزُّ في النَّفس مكامن الدَّهشة؛ جبالٌ متطاولة الأعناق، مترامية المناكب، التحفت الضَّباب، واكتحلت بالمطر، وافترشت سفوحها خضرةً غضَّة، وقرىً تتساند على أكتاف القمم كأنَّها عقودٌ منضودةٌ في جيد الجبل، وطرقاتٌ تتلوَّى بين الشِّعاب تلوِّي القصيدة في فم راويها.

ولمَّا بلغنا بلاد بللحمر في وقتٍ مبكِّر من صباح ذلك اليوم، ألفينا الطَّبيعة قد تقدَّمت أهلها إلى الوفادة، واستنفرت عناصرها للحفاوة؛ فالسَّماء تُرحِّب، والجبال تُرحِّب، والأرض تُرحِّب، والغمام يجرُّ أذياله فوق الرُّؤوس، والضَّباب يُرخي سدوله البيضاء على الشِّعاب، والمطر ينثر على المكان نثاره الرَّطيب.

كان الغيم يرفُّ على الذُّرى كالمطارف، وكانت الجبال قائمةً في مهابتها كالحُجَّاب على أبواب السَّراة، وكانت الأرض مبتلَّةً بنداها، كأنَّها اغتسلت لتلقى ضيوفها في أبهى حللها، وتزيَّنت بخضرتها لتقول للقادمين من أودية القنفذة، بصمتها البليغ: أهلًا بكم في رحاب الجبل.

ولم يكن ترحيب المكان بأبلغ من ترحيب أهله، ولا حفاوة الغيم بأندى من بشاشة الوجوه؛ فما رأينا شيخًا، ولا رجلًا، ولا شابًّا، ولا طفلًا يقف في صفوف بللحمر، إلَّا كان مرحِّبًا بعينه قبل لسانه، وبطلاقة محيَّاه قبل عبارته، وبصدق ملامحه قبل أن تمتدَّ يده للسَّلام.

وليس في هذا القول مبالغةٌ ولا غلوٌّ؛ فتلك سجيَّتهم، وهذه سلومهم وعلومهم، وشِيَمٌ توارثوها كابرًا عن كابر، حتَّى غدا إكرام الضَّيف فيهم طبعًا لا تكلُّفًا، وناموسًا لا يتبدَّل، وميراثًا تحفظه النُّفوس قبل أن تحفظه المجالس.

وكان المرء، وهو يطوف ببصره في تلك الوجوه، يشعر أنَّه لا يلقى أفرادًا متفرِّقين، بل يلقى خُلُقًا واحدًا قد تلبَّس رجالًا كثيرين؛ خُلُقًا له من الجبل مناعته، ومن المطر نداه، ومن الغيم صفاؤه، ومن السَّراة إباؤها وشممها.

ومع انحدار النَّهار إلى مسائه، واتِّشاح الأفق ببقايا الضَّوء، يمَّمنا شطر قصر الشَّيخ محمَّد بن عضوان الأحمري في بيحان، فإذا الطَّريق إليه ممرٌّ بين جلالين: جلال الطَّبيعة، وجلال المقصد؛ والذُّرى من حولنا تستطيل في شموخها، والسَّحائب تتعاقب على رؤوسها، والقرى رابضةٌ على السُّفوح كأنَّها شواهد عزٍّ لا يعتريها الأفول.

وما إن وطئت أقدامنا ساحة قصره العامر، حتَّى انفتقت السَّماء عن مائها، وانثال الغيث من جيد السَّحاب؛ كأنَّ الغمام كان مرتقبًا لحظة الوصول، مستبقيًا ماءه حتَّى إذا أقبلنا أرسله ندًى على المكان، وشارك أهل الدَّار مراسم الوفادة.

فهطلت السَّماء ترحيبًا، وشمخت الجبال ترحيبًا، واهتزَّت الأرض بنداها ترحيبًا، وأقبلت الوجوه بالبِشر ترحيبًا، حتَّى بدا أنَّ عناصر المكان قد تواطأت جميعها على حفاوةٍ واحدة؛ صاحب الدَّار يفتح قلبه قبل بابه، ومجلسه قبل قصره، ووجهه قبل يده.

وعند ذلك المشهد، لم يملك القلم إلَّا أن ينحني، ولا البيان إلَّا أن يعترف:

عذرًا يا حاتم الطَّائي؛ فهنا ابنُ عضوان، حاتمُ الغصن الجنوبي.

هنا الشَّيخ محمَّد بن عضوان الأحمري؛ رجلٌ لا يستعير الكرم من أخبار الأقدمين، ولا يتزيَّا به أمام الوافدين، بل يجري فيه جريان الدَّم في العروق، ويصدر عنه صدور الضَّوء عن الفجر والماء عن الغمام. إذا أقبل الضَّيف انفسح له صدره قبل مجلسه، واتَّسعت له نفسه قبل داره، وأحاطه من حسن الوفادة بما يُنسيه وعثاء الطَّريق، ويُشعره أنَّه لم يبرح أهله وإن نأت به الدِّيار.

في وجهه طلاقة المضيف، وفي سمته مهابة الشَّيخ، وفي يده سماحة الكريم، وفي مجلسه من الرَّحابة ما يضيق عنه الوصف. وما تلك الحفاوة العابقة، والكرامة السَّامقة التي غمرت الشَّيخ محمَّد بن جابر الأحمري ووفده، إلَّا شاهد أصلٍ عريق، ونُضارة غصنٍ كريم، وأثر بيتٍ ظلَّت المكارم فيه عُرفًا موروثًا وسُنَّةً مأثورة.

كان الشَّيخ محمَّد بن عضوان في مقدِّمة مستقبلي ضيفه ومرافقيه، تحفُّ به وجوه قومه، ويؤازره أبناؤه ورجال بللحمر، وقد اجتمع في مشهد الاستقبال من صدق الوفادة، وحسن اللِّقاء، وحفظ مقامات الرِّجال، ما لا تستوفيه العبارة، ولا تحيط به صناعة الثَّناء.

أمَّا الوالد الشَّيخ محمَّد بن جابر الأحمري، فقد أقبل في هيئة الشَّيخ الذي تعرفه المجالس قبل أن تعرِّفه الأسماء؛ وقورًا بلا تصنُّع، مهيبًا بلا استعلاء، تحوطه نخبةٌ من شيوخ قبائل محافظة القنفذة وأعيانها ووجهائها، في وفدٍ كأنَّما اجتمعت فيه وجوه أودية القنفذة ومقادير رجالها.

كان حضوره شاهدًا على مكانةٍ لم يصنعها الضَّجيج، بل أنشأتها المواقف، ورسَّختها السِّيرة، وحفظتها القلوب؛ فهو ممَّن تسبقهم مكانتهم إلى المجالس، وتتقدَّمهم سيرتهم إلى النُّفوس، وتلتفُّ حولهم ثقة الرِّجال ومحبَّتهم.

ولم يكن اللِّقاء بين الشَّيخين مجاملةً عابرةً تنقضي بانفضاض المجلس، بل كان التقاء أصلين كريمين، وتصافح تاريخين من الوفاء والمروءة وحفظ المقامات؛ لقاءً تعانقت فيه أودية القنفذة مع ذُرى بللحمر، وتصافحت فيه تهامة والسَّراة، حتَّى زال ما بين الوادي والجبل من مسافة، ولم يبقَ إلَّا قرب النُّفوس وائتلاف القلوب.

وكان رجال بللحمر ورجال الحجر في مقدِّمة المشهد، يتقدَّمهم شيخ شمل قبائل بللحمر الشَّيخ منصور بن عبدالله آل محيا، وإلى جانبه عددٌ من الشُّيوخ والنُّوَّاب والأعيان والوجهاء، ونخبةٌ من الشُّعراء والأدباء والإعلاميِّين؛ فغدا المجلس مجمع هيبةٍ وفكر، وملتقى مروءةٍ وأدب، وسِفرًا مفتوحًا تُقرأ فيه مقامات الرِّجال من ملامحهم قبل كلماتهم.

ازدانت المجالس بأهلها، وانتظم الحضور انتظام الجواهر في سلكها؛ فهذا شيخٌ يحمل وقار قومه، وذاك نائبٌ ينهض بمسؤوليَّة جماعته، وآخر أديبٌ تتأنَّق العبارة على لسانه، وشاعرٌ يستخرج من صخر المعنى عيون القصيد، وإعلاميٌّ يلتقط من الحدث نبضه، ويحفظ للمشهد صورته من عوادي النِّسيان.

وكان التَّاريخ حاضرًا، لا على هيئة حكايةٍ باردة تُستعاد من بطون الكتب، بل روحًا تسري في المجلس، وتطلُّ من الشِّيَم، وتتجلَّى في الأسماء والمواقف والرِّوايات. وكانت الذَّاكرة تتفتَّح كلَّما تحدَّث مؤرِّخ، وتستيقظ الأمجاد كلَّما ذُكرت واقعة، حتَّى بدت أيَّام الأسلاف ماثلةً في الخيال، قريبةً من السَّمع والبصر.

وكان الشِّعر حاضرًا كذلك، سيِّدًا من سادات المجلس، ولسانًا لما تضيق عنه العبارة المألوفة؛ فتعاقبت القصائد الفصيحة والنَّبطيَّة، تحمل التَّرحيب والوفاء، وتفيض بالفخر والثَّناء، وتكسو أسماء الرِّجال من حلل البيان ما يليق بمقاماتهم.

وكان الأدب يوشِّي الكلام، والتَّاريخ يمدُّه بجذوره، والشِّعر يمنحه أجنحته، حتَّى غدا المجلس كأنَّه ديوانٌ حيٌّ من دواوين العرب؛ فيه للقصيدة منبر، وللحكاية صدر، وللموروث موضع، وللرِّجال مقام.

وتخلَّل الزيارة حفلٌ خطابيٌّ تنوَّعت فقراته بين الكلمات التَّرحيبيَّة، والقصائد الفصيحة والنَّبطيَّة، والمداخلات الأدبيَّة والتَّاريخيَّة، ومشاركات المؤرِّخين والمثقَّفين، إلى جانب ما قُدِّم من ألوان الموروث الشَّعبي التي أضفت على الأمسية رونقها، وربطت حاضر المكان بذاكرته العريقة.

ولقد أكرم ابن عضوان وفادة ضيفه ووفده إكرامًا لم يكن زائدًا على طبعه، ولا خارجًا عن سجيَّته، بل كان صورةً صادقةً لما استقرَّ في نفسه من نجابة الأصل، وسماحة الكفِّ، وإجلال المقام؛ فالمكارم عند بعض النَّاس حادثة، وعنده عادة، والضِّيافة عند غيره مناسبة، وعنده خُلُقٌ مقيم.

ثمَّ دُعي الجميع إلى مأدبة العشاء المعدَّة بهذه المناسبة، فإذا الموائد شاهدٌ آخر على سعة النَّفس قبل سعة الرِّزق، وعلى أنَّ الكرم لا يُقاس بما تحمله الصِّحاف وحدها، بل بما تحمله القلوب من ترحابٍ وإيثار، وما يحيط بالضَّيف من عنايةٍ تحفظ مقامه وتُشعره أنَّه بين أهله.

وكانت الضِّيافة ختامًا يليق بمقدِّمات الأمسية، وتمامًا لما بدأه المطر والوجوه والمجالس؛ فالمائدة في بيوت الكرام ليست زادًا للأبدان فحسب، بل ميثاق مودَّة، ولغة وفاء، وعربون أخوَّةٍ بين رجالٍ جمعتهم القيم قبل أن يجمعهم المكان.

وما بين مطلع الرِّحلة وختامها، كانت المعاني تتكاثر في النَّفس حتَّى يعجز اللِّسان عن جمع شتاتها؛ فمن أودية القنفذة التي تفترش سهول تهامة، إلى جبال بللحمر التي تعانق سحاب السَّراة، امتدَّ الطَّريق جسرًا بين أرضين، وعقد مودَّةٍ بين رجالٍ يعرفون للرِّجال أقدارهم.

لم تكن الزِّيارة خبرًا عابرًا يُختصر في سطور، ولا مناسبةً تُطوى بانقضاء ليلتها؛ بل كانت صورةً مضيئة من صور التَّواصل، وتجديدًا لسُنن العرب الأصيلة في التَّزاور، وحفظ الودِّ، وإجلال الضَّيف، وإكرام الرِّجال.

وفي تلك اللَّيلة أدركنا أنَّ الجغرافيا، مهما اختلفت تضاريسها، تضيق أمام اتِّساع المروءة؛ فالوادي والجبل، وتهامة والسَّراة، والقنفذة وبللحمر، كلُّها تلتقي حين تكون النَّخوة لغةً مشتركة، والكرم نسبًا جامعًا، والوفاء ميثاقًا لا ينقضه البُعد.

عدنا من بيحان، غير أنَّ شيئًا من بيحان عاد معنا؛ بقي المطر عالقًا في الذَّاكرة، والضَّباب ممدودًا على أطراف الخاطر، والجبال قائمةً في النَّفس بهيبتها، ووجوه رجال بللحمر والحجر حاضرةً ببِشرها، ومجلس ابن عضوان عامرًا في الوجدان، كأنَّنا لم نغادره.

عدنا نحمل رائحة الأرض بعد الغيث، وصوت القصيد، ووقار التَّاريخ، ودفء المصافحة، وذكرى رجالٍ كان التَّرحاب يشرق من أعينهم قبل أن تنطق به ألسنتهم.

وهكذا كانت ليلة الخميس الرَّابع والعشرين من محرَّم سنة ١٤٤٨هـ؛ ليلةً كتب الغيم استهلالها، وأملى المطر فصولها، وروى التَّاريخ بعض أخبارها، وأنشد الشِّعر محاسنها، وختمها الكرم بخاتم ابن عضوان.

كانت رحلةً بدأت من الوادي إلى الجبل، لكنَّها لم تنتهِ عند بيحان؛ بل مضت أبعد من حدود الطَّريق، حتَّى استقرَّت في موضعٍ لا تبلغه المسافات، ولا تنال منه عوادي الأيَّام:

استقرَّت في الذَّاكرة، من القلب إلى القلب.
 0  0  2.2K