مجالس العزاء … حديثُ في المروءات الغائبة
ما برحت مجالس العزاء، منذ أمدٍ بعيد، مواطن للمواساة، ومنازل للتعزية، ومشاهد تتجلى فيها معاني التراحم والتكافل والتعاضد بين الناس عند نزول المصائب وحلول الرزايا.
فهي من أجل ما عُرفت به المجتمعات العربية من مكارم الأخلاق وشيم الرجال، إذ يواسي فيها القريب قريبه، ويشد الصديق أزر صديقه، ويقف الناس صفًا واحدًا أمام ألم الفقد ومرارة الرحيل.
ولم يكن المقصود من العزاء يومًا إظهار الحضور، ولا استعراض المكانة، ولا التماس الذكر بين الناس، وإنما شُرع ليكون جبرًا للقلوب المنكسرة، ومواساةً للنفوس المفجوعة، وتخفيفًا لوطأة المصاب على أهله وذويه.
ومن ثمَّ، فإن لكل مجلس من مجالس العزاء هيبةً تقتضيها حرمته، وأدبًا تفرضه طبيعته، ووقارًا ينسجم مع المقصد الذي اجتمع الناس من أجله.
غير أن المتأمل في بعض أحوال الناس اليوم لا يعدم أن يرى جملةً من الممارسات التي تسللت إلى بعض مجالس العزاء، حتى كادت تصرفها عن مقاصدها، وتُخرجها شيئًا فشيئًا من دائرة المواساة إلى دائرة التكلف، ومن معاني التعزية إلى مظاهر لا تمت إلى روح العزاء بصلة.
ومن ذلك ما شاع في بعض البيئات من التوسع في إعداد الولائم وإقامة موائد الغداء والعشاء طوال أيام العزاء، حتى أصبح بعض الناس يتحدث عن الطعام أكثر مما يتحدث عن الفقيد، وكأن المجلس قد أُقيم لإكرام البطون لا لجبر القلوب.
ومما لا ريب فيه أن مثل هذه المظاهر تزيد أهل الميت كلفةً إلى كلفتهم، وهمًّا إلى همهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى من يخفف عنهم لا إلى من يضاعف أعباءهم.
ومن الظواهر التي استرعت انتباه كثير من العقلاء امتداد أوقات العزاء في بعض المجتمعات من أول النهار إلى آخره، ومن ساعات الصباح إلى ما بعد العشاء، حتى يصبح أهل المصاب في حال استقبالٍ دائم لا يكاد ينقطع، فتستنزف قواهم، وتذهب راحتهم، ويصبح الحزن مصحوبًا بمشقة أخرى لا تقل وطأة عنه.
كما أن من الممارسات التي غلبت على بعض الناس تكرار الحضور يوميًا طوال أيام العزاء، وكأن الوفاء يُقاس بعدد الزيارات، أو أن صدق المواساة مرهون بطول المكث وكثرة التردد.
والحق أن المواساة الصادقة لا تُقاس بكثرة الحضور، وإنما تُقاس بصدق الشعور وحسن المؤازرة ولطف الكلمة.
ومن المشاهد التي تثير العجب أن يجلس بعض الحاضرين في مواضع أهل الميت، أو يتصدر الصفوف المخصصة لهم، حتى ليظنه القادم من خاصة ذوي الفقيد أو من أقرب المقربين إليه، بل قد يتلقى التعازي أحيانًا وهو لا تربطه بالميت صلة تبرر له ذلك، وكأن المقصود إثبات الحضور في المشهد لا أداء واجب المواساة.
ولا يقل غرابة عن ذلك أولئك الذين يطيلون المكث في مجالس العزاء إطالةً تخرجها عن مقصدها، فيقضي أحدهم الساعات الطوال متنقلًا بين الأحاديث والقصص والأخبار، حتى يصبح المجلس أشبه بمنتدى اجتماعي منه بمجلس عزاء أُقيم لمواساة أهل مصاب.
وليس كل حاضرٍ في العزاء مُعزِّيًا، فرب رجلٍ لم يمكث إلا دقائق معدودات فواسى وأحسن ودعا وانصرف، ورب آخرٍ طال مكثه ساعات، ولم يزد أهل المصاب إلا عددًا في المجلس، فالعبرة ليست بطول الجلوس، وإنما بصدق المواساة وحسن المشاركة.
ولعل من أغرب ما وقفت عليه في بعض مجالس العزاء، مشهدٌ لم أره -ولله الحمد- إلا مرةً واحدة، وأحسبه من النوادر التي لا يُخشى استشراؤها بين الناس؛ لما تنطوي عليه من مجافاةٍ لما استقر عليه العرف، وبعدٍ عن مقتضى الذوق الاجتماعي السليم.
ذلك أن ما استوقفني في أحد المجالس لم يكن حديثًا عابرًا ولا موقفًا مألوفًا، وإنما رجلٌ أحضر قهوته الخاصة إلى مجلس العزاء، ثم جلس يحتسي منها منفردًا بين الحاضرين، في مشهدٍ بدا غريبًا على ما جرت به الأعراف واستقرت عليه العادات في مواطن المواساة والتعزية.
ولعل هذا التصرف صدر عن عدم إدراكٍ كافٍ لما استقر عليه الناس من آداب العزاء وأعراف المجالس، فحسن الظن أولى ما لم يقم دليل على خلافه، غير أن حسن المقصد لا يكفي وحده لجعل الفعل مقبولًا، كما أن سلامة النية لا تحول المستغرب مألوفًا ولا الشاذ مستحسنًا.
فإن قال قائل: لعل الرجل لا يشرب إلا قهوته الخاصة، قيل له: لا تثريب عليه في ذلك، فبيته أوسع لخصوصياته، ومجلسه الخاص أولى بعاداته، أما أن يحمل قهوته الخاصة إلى مجلس عزاء ويجلس منفردًا يحتسيها بين الحاضرين، فذلك مما تأباه الأعراف المستقرة، وتنفر منه الأذواق الاجتماعية السليمة، إذ المقصود من هذه المجالس إشاعة معاني المشاركة والمؤانسة والمواساة، لا إظهار الخصوصيات أو إعلان العزلة عن الآخرين.
وشهدتُ كذلك في أحد مجالس العزاء موقفًا لا يزال عالقًا بالذاكرة؛ إذ كان المجلس يكتنفه الحزن، وتخيَّم عليه رهبة الفقد، والناس ما بين داعٍ للميت ومواسٍ لأهله، غير أن أحد الحاضرين كان على حالٍ مغاير لذلك كله؛ فقد علا صوته بالحديث، وارتفع ضحكه بالقهقهة، وتشعبت أحاديثه في أرجاء المجلس، حتى ليحسبه من يراه حاضرًا في مجلس أُنس أو محفل سرور، لا في مجلس عزاء اجتمع أهله على مصاب أليم.
بل ظهر من الانبساط والتوسع في الحديث ما لا تلائمه طبيعة المقام، ومن إظهار الزينة والاهتمام بالمظهر ما لا ينسجم مع هيبة الموقف ووقاره، وكأن رهبة الموت لم تستوقفه، أو أن حرمة المصاب لم تحمله على شيء من السكينة والاعتبار.
ومن الظواهر التي لا تخفى على ذي بصيرة الحضور للمجاملة المجردة دون مواساة صادقة، والانشغال بالهواتف المحمولة انشغالًا يقطع صاحبه عن المجلس وأهله، وإثارة الخصومات القديمة والخلافات السابقة في موطن جُعل أصلًا لإطفاء أسباب التنازع لا لإذكائها، فضلًا عن التفاخر بالأموال أو الأنساب أو المناصب، وإظهار ما ينافي التواضع الذي تقتضيه أمثال هذه المواطن.
كما أن من السلوكيات التي لا تليق بمجالس العزاء تعمد العزلة عن الحاضرين، وإظهار ما يوحي بعدم الاكتراث بأعراف المجلس وآدابه، فإن هذه المجالس لم تُقم إلا لتقارب القلوب، وتآلف النفوس، وتخفيف الأحزان، وتعميق معاني الأخوة بين الناس.
ومن الظواهر التي استجدت في بعض مجالس العزاء كذلك الإفراط في التصوير والتوثيق، حتى أصبح بعض الحاضرين مشغولًا بعدسة هاتفه أكثر من انشغاله بالمواساة والدعاء، وكأن المقصود إثبات الحضور وتوثيق المشهد لا أداء حق العزاء.
ومما يزيد الأسف أن يتحول موطن الحزن إلى مادة للنشر والتداول، في وقت تكون فيه مشاعر أهل المصاب أولى بالمراعاة وأحق بالاحترام.
ومن الأخطاء التي تنافي مقاصد العزاء الخوض في أخطاء الميت وسلبياته، أو استدعاء ما كان منه في حياته من هنات وعثرات، وكأن الموت لم يطوِ صحيفته، ولم يجعل له حرمة توجب حفظ لسان الأحياء عنه.
وقد جرت مكارم الأخلاق، فضلًا عن هدي الشريعة، على ذكر محاسن الراحل والدعاء له، لا تتبع زلاته واستحضار نقائصه.
ومن ذلك أيضًا إلحاح بعض الناس في السؤال عن تفاصيل الوفاة وكيفية حدوثها وساعاتها الأخيرة، بل وربما أعادوا على أهل الميت الأسئلة ذاتها مرة بعد أخرى، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى من يسلَّيهم عن مصابهم ويخفف عنهم وقع الفاجعة، لا إلى من يجدد أحزانهم ويستحضر أمامهم مشاهد الألم والفقد.
وليس من الحكمة ولا من المروءة أن يتحول مجلس العزاء إلى مجلس استقصاء أو تحقيق في تفاصيل الرحيل، وإنما المقصود منه المواساة والدعاء والتخفيف، وكل ما عدا ذلك ينبغي أن يوزن بميزان الرحمة والذوق ومراعاة مشاعر أهل المصاب.
وإن كاتب هذه السطور لا يزعم لنفسه الكمال، ولا يدعي العصمة من الخطأ أو التقصير، فما من أحد إلا وله هفواته وعثراته، غير أن الحديث هنا إنما هو دعوة إلى المراجعة والتأمل، ووقفة مع بعض الممارسات التي ألفها الناس حتى اعتادوها، وهي في حقيقتها بحاجة إلى إعادة نظر، رجاء أن تبقى مجالس العزاء على ما كانت عليه من وقار وهيبة ومقاصد نبيلة.
مجالس العزاء ليست موطنًا للظهور، ولا ميدانًا للمباهاة، ولا ساحة للتكلف والتصنع، وإنما هي مدرسة للمروءة، وميدان للأخلاق، ومحكٌّ تظهر فيه معادن الرجال عند الشدائد.
فإذا كانت الأفراح تُظهر سرائر الناس، فإن الأتراح تكشف معادنهم؛ وفي مجالس العزاء تُعرف المروءات، وتُختبر الأخلاق، ويُوزن الرجال بميزان الوقار والوفاء، لا بميزان الحضور والظهور.
ورحم الله امرأً عرف لكل مقامٍ مقالًا، ولكل مجلسٍ أدبًا، ولكل مصابٍ حقَّه من المواساة والإحترام.
فهي من أجل ما عُرفت به المجتمعات العربية من مكارم الأخلاق وشيم الرجال، إذ يواسي فيها القريب قريبه، ويشد الصديق أزر صديقه، ويقف الناس صفًا واحدًا أمام ألم الفقد ومرارة الرحيل.
ولم يكن المقصود من العزاء يومًا إظهار الحضور، ولا استعراض المكانة، ولا التماس الذكر بين الناس، وإنما شُرع ليكون جبرًا للقلوب المنكسرة، ومواساةً للنفوس المفجوعة، وتخفيفًا لوطأة المصاب على أهله وذويه.
ومن ثمَّ، فإن لكل مجلس من مجالس العزاء هيبةً تقتضيها حرمته، وأدبًا تفرضه طبيعته، ووقارًا ينسجم مع المقصد الذي اجتمع الناس من أجله.
غير أن المتأمل في بعض أحوال الناس اليوم لا يعدم أن يرى جملةً من الممارسات التي تسللت إلى بعض مجالس العزاء، حتى كادت تصرفها عن مقاصدها، وتُخرجها شيئًا فشيئًا من دائرة المواساة إلى دائرة التكلف، ومن معاني التعزية إلى مظاهر لا تمت إلى روح العزاء بصلة.
ومن ذلك ما شاع في بعض البيئات من التوسع في إعداد الولائم وإقامة موائد الغداء والعشاء طوال أيام العزاء، حتى أصبح بعض الناس يتحدث عن الطعام أكثر مما يتحدث عن الفقيد، وكأن المجلس قد أُقيم لإكرام البطون لا لجبر القلوب.
ومما لا ريب فيه أن مثل هذه المظاهر تزيد أهل الميت كلفةً إلى كلفتهم، وهمًّا إلى همهم، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى من يخفف عنهم لا إلى من يضاعف أعباءهم.
ومن الظواهر التي استرعت انتباه كثير من العقلاء امتداد أوقات العزاء في بعض المجتمعات من أول النهار إلى آخره، ومن ساعات الصباح إلى ما بعد العشاء، حتى يصبح أهل المصاب في حال استقبالٍ دائم لا يكاد ينقطع، فتستنزف قواهم، وتذهب راحتهم، ويصبح الحزن مصحوبًا بمشقة أخرى لا تقل وطأة عنه.
كما أن من الممارسات التي غلبت على بعض الناس تكرار الحضور يوميًا طوال أيام العزاء، وكأن الوفاء يُقاس بعدد الزيارات، أو أن صدق المواساة مرهون بطول المكث وكثرة التردد.
والحق أن المواساة الصادقة لا تُقاس بكثرة الحضور، وإنما تُقاس بصدق الشعور وحسن المؤازرة ولطف الكلمة.
ومن المشاهد التي تثير العجب أن يجلس بعض الحاضرين في مواضع أهل الميت، أو يتصدر الصفوف المخصصة لهم، حتى ليظنه القادم من خاصة ذوي الفقيد أو من أقرب المقربين إليه، بل قد يتلقى التعازي أحيانًا وهو لا تربطه بالميت صلة تبرر له ذلك، وكأن المقصود إثبات الحضور في المشهد لا أداء واجب المواساة.
ولا يقل غرابة عن ذلك أولئك الذين يطيلون المكث في مجالس العزاء إطالةً تخرجها عن مقصدها، فيقضي أحدهم الساعات الطوال متنقلًا بين الأحاديث والقصص والأخبار، حتى يصبح المجلس أشبه بمنتدى اجتماعي منه بمجلس عزاء أُقيم لمواساة أهل مصاب.
وليس كل حاضرٍ في العزاء مُعزِّيًا، فرب رجلٍ لم يمكث إلا دقائق معدودات فواسى وأحسن ودعا وانصرف، ورب آخرٍ طال مكثه ساعات، ولم يزد أهل المصاب إلا عددًا في المجلس، فالعبرة ليست بطول الجلوس، وإنما بصدق المواساة وحسن المشاركة.
ولعل من أغرب ما وقفت عليه في بعض مجالس العزاء، مشهدٌ لم أره -ولله الحمد- إلا مرةً واحدة، وأحسبه من النوادر التي لا يُخشى استشراؤها بين الناس؛ لما تنطوي عليه من مجافاةٍ لما استقر عليه العرف، وبعدٍ عن مقتضى الذوق الاجتماعي السليم.
ذلك أن ما استوقفني في أحد المجالس لم يكن حديثًا عابرًا ولا موقفًا مألوفًا، وإنما رجلٌ أحضر قهوته الخاصة إلى مجلس العزاء، ثم جلس يحتسي منها منفردًا بين الحاضرين، في مشهدٍ بدا غريبًا على ما جرت به الأعراف واستقرت عليه العادات في مواطن المواساة والتعزية.
ولعل هذا التصرف صدر عن عدم إدراكٍ كافٍ لما استقر عليه الناس من آداب العزاء وأعراف المجالس، فحسن الظن أولى ما لم يقم دليل على خلافه، غير أن حسن المقصد لا يكفي وحده لجعل الفعل مقبولًا، كما أن سلامة النية لا تحول المستغرب مألوفًا ولا الشاذ مستحسنًا.
فإن قال قائل: لعل الرجل لا يشرب إلا قهوته الخاصة، قيل له: لا تثريب عليه في ذلك، فبيته أوسع لخصوصياته، ومجلسه الخاص أولى بعاداته، أما أن يحمل قهوته الخاصة إلى مجلس عزاء ويجلس منفردًا يحتسيها بين الحاضرين، فذلك مما تأباه الأعراف المستقرة، وتنفر منه الأذواق الاجتماعية السليمة، إذ المقصود من هذه المجالس إشاعة معاني المشاركة والمؤانسة والمواساة، لا إظهار الخصوصيات أو إعلان العزلة عن الآخرين.
وشهدتُ كذلك في أحد مجالس العزاء موقفًا لا يزال عالقًا بالذاكرة؛ إذ كان المجلس يكتنفه الحزن، وتخيَّم عليه رهبة الفقد، والناس ما بين داعٍ للميت ومواسٍ لأهله، غير أن أحد الحاضرين كان على حالٍ مغاير لذلك كله؛ فقد علا صوته بالحديث، وارتفع ضحكه بالقهقهة، وتشعبت أحاديثه في أرجاء المجلس، حتى ليحسبه من يراه حاضرًا في مجلس أُنس أو محفل سرور، لا في مجلس عزاء اجتمع أهله على مصاب أليم.
بل ظهر من الانبساط والتوسع في الحديث ما لا تلائمه طبيعة المقام، ومن إظهار الزينة والاهتمام بالمظهر ما لا ينسجم مع هيبة الموقف ووقاره، وكأن رهبة الموت لم تستوقفه، أو أن حرمة المصاب لم تحمله على شيء من السكينة والاعتبار.
ومن الظواهر التي لا تخفى على ذي بصيرة الحضور للمجاملة المجردة دون مواساة صادقة، والانشغال بالهواتف المحمولة انشغالًا يقطع صاحبه عن المجلس وأهله، وإثارة الخصومات القديمة والخلافات السابقة في موطن جُعل أصلًا لإطفاء أسباب التنازع لا لإذكائها، فضلًا عن التفاخر بالأموال أو الأنساب أو المناصب، وإظهار ما ينافي التواضع الذي تقتضيه أمثال هذه المواطن.
كما أن من السلوكيات التي لا تليق بمجالس العزاء تعمد العزلة عن الحاضرين، وإظهار ما يوحي بعدم الاكتراث بأعراف المجلس وآدابه، فإن هذه المجالس لم تُقم إلا لتقارب القلوب، وتآلف النفوس، وتخفيف الأحزان، وتعميق معاني الأخوة بين الناس.
ومن الظواهر التي استجدت في بعض مجالس العزاء كذلك الإفراط في التصوير والتوثيق، حتى أصبح بعض الحاضرين مشغولًا بعدسة هاتفه أكثر من انشغاله بالمواساة والدعاء، وكأن المقصود إثبات الحضور وتوثيق المشهد لا أداء حق العزاء.
ومما يزيد الأسف أن يتحول موطن الحزن إلى مادة للنشر والتداول، في وقت تكون فيه مشاعر أهل المصاب أولى بالمراعاة وأحق بالاحترام.
ومن الأخطاء التي تنافي مقاصد العزاء الخوض في أخطاء الميت وسلبياته، أو استدعاء ما كان منه في حياته من هنات وعثرات، وكأن الموت لم يطوِ صحيفته، ولم يجعل له حرمة توجب حفظ لسان الأحياء عنه.
وقد جرت مكارم الأخلاق، فضلًا عن هدي الشريعة، على ذكر محاسن الراحل والدعاء له، لا تتبع زلاته واستحضار نقائصه.
ومن ذلك أيضًا إلحاح بعض الناس في السؤال عن تفاصيل الوفاة وكيفية حدوثها وساعاتها الأخيرة، بل وربما أعادوا على أهل الميت الأسئلة ذاتها مرة بعد أخرى، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى من يسلَّيهم عن مصابهم ويخفف عنهم وقع الفاجعة، لا إلى من يجدد أحزانهم ويستحضر أمامهم مشاهد الألم والفقد.
وليس من الحكمة ولا من المروءة أن يتحول مجلس العزاء إلى مجلس استقصاء أو تحقيق في تفاصيل الرحيل، وإنما المقصود منه المواساة والدعاء والتخفيف، وكل ما عدا ذلك ينبغي أن يوزن بميزان الرحمة والذوق ومراعاة مشاعر أهل المصاب.
وإن كاتب هذه السطور لا يزعم لنفسه الكمال، ولا يدعي العصمة من الخطأ أو التقصير، فما من أحد إلا وله هفواته وعثراته، غير أن الحديث هنا إنما هو دعوة إلى المراجعة والتأمل، ووقفة مع بعض الممارسات التي ألفها الناس حتى اعتادوها، وهي في حقيقتها بحاجة إلى إعادة نظر، رجاء أن تبقى مجالس العزاء على ما كانت عليه من وقار وهيبة ومقاصد نبيلة.
مجالس العزاء ليست موطنًا للظهور، ولا ميدانًا للمباهاة، ولا ساحة للتكلف والتصنع، وإنما هي مدرسة للمروءة، وميدان للأخلاق، ومحكٌّ تظهر فيه معادن الرجال عند الشدائد.
فإذا كانت الأفراح تُظهر سرائر الناس، فإن الأتراح تكشف معادنهم؛ وفي مجالس العزاء تُعرف المروءات، وتُختبر الأخلاق، ويُوزن الرجال بميزان الوقار والوفاء، لا بميزان الحضور والظهور.
ورحم الله امرأً عرف لكل مقامٍ مقالًا، ولكل مجلسٍ أدبًا، ولكل مصابٍ حقَّه من المواساة والإحترام.