المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 29 أبريل 2026
وسميه محمد العبيدان
وسميه محمد العبيدان

بين “زوجوهم يعقلون” وتعقيدات الحاضر

في مفترق الطرق بين الأمس واليوم، يقف الشباب حائرين أمام سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: لماذا لم يعد الزواج وتكوين الأسرة خيارًا سهلًا كما كان؟ ولماذا تحوّل من مرحلة طبيعية في حياة الإنسان إلى قرار مؤجل، بل أحيانًا مُتجنب؟
في الماضي، كان الزواج يُقدَّم كحل جاهز لكثير من الاضطرابات؛ عبارة “زوجوه يعقل” لم تكن مجرد مزحة عابرة، بل انعكاسًا لقناعة اجتماعية راسخة بأن الاستقرار الأسري كفيل بتهذيب السلوك وبناء المسؤولية. كان الإيقاع الحياتي أبسط، والتوقعات أقل، والدعم العائلي أكبر، كما أن سن الزواج المبكر كان يتيح مساحة أطول للتكيف والنمو داخل إطار الأسرة.
أما اليوم، فقد تبدّل المشهد. لم يعد الشاب أو الشابة يهربان من المسؤولية بقدر ما يواجهان واقعًا مختلفًا تمامًا. ساعات العمل الطويلة، وضغوط الحياة المعيشية، وارتفاع تكاليف السكن، وتغير معايير النجاح، كلها عوامل جعلت فكرة الزواج تبدو كأنها عبء إضافي، لا بداية استقرار. الوظيفة التي تبدأ مع ساعات الصباح الأولى وتمتد حتى المساء لا تترك للفرد مساحة كافية ليعيش، فكيف له أن يبني أسرة ويمنحها الوقت والرعاية؟
ثم إن التحولات الثقافية لعبت دورًا لا يمكن تجاهله. أصبح الفرد أكثر وعيًا بذاته، وأكثر حرصًا على تحقيق طموحاته الشخصية قبل الارتباط. لم يعد الزواج مجرد خطوة تلقائية، بل مشروع يحتاج إلى جاهزية نفسية ومادية وفكرية. وفي المقابل، ارتفعت سقوف التوقعات بين الطرفين، ما جعل الوصول إلى “الشريك المناسب” أكثر تعقيدًا.
وفي سياق هذا التحول، برزت ظاهرة لافتة؛ إذ اتجه بعض الشباب إلى تربية الحيوانات الأليفة، كالقطط أو الجراء، بوصفها وسيلة لتعويض الشعور بالوحدة أو كجزء من نمط اجتماعي حديث يُنظر إليه أحيانًا على أنه نوع من الوجاهة أو “البرستيج”. ورغم ما تحمله هذه العلاقة من جانب إنساني في الرفق بالحيوان، إلا أنها في بعض الحالات قد تعكس محاولة للالتفاف على الاحتياج الفطري للعلاقات الإنسانية العميقة. فالعلاقة الأسرية، بما تحمله من مسؤولية وعطاء متبادل، لا يمكن أن تُستبدل بعلاقة بديلة محدودة الأثر. ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن توجيه الجهد نحو بناء أسرة وتربية الأبناء يظل خيارًا أكثر اكتمالًا وامتدادًا في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.
لكن المشكلة لا تكمن في الشباب وحدهم، ولا في الماضي وحده. الحقيقة أن كلا النموذجين يحمل شيئًا من القصور. الزواج المبكر دون وعي قد يؤدي إلى مسؤوليات أكبر من قدرة الطرفين، كما أن العزوف التام يهدد التوازن الاجتماعي ويفتح أبوابًا للعزلة والاضطراب.
الحل لا يكمن في الحنين الأعمى للماضي، ولا في الاستسلام الكامل لتعقيدات الحاضر، بل في إعادة صياغة الفكرة نفسها. نحن بحاجة إلى بيئة تدعم التوازن بين العمل والحياة، إلى سياسات تُخفف الأعباء الاقتصادية، وإلى خطاب اجتماعي أكثر واقعية، لا يُحمّل الزواج فوق طاقته ولا يُصوّره كعبء مستحيل.
الشباب اليوم ليسوا أقل قدرة على المسؤولية، بل يعيشون في زمن أكثر تعقيدًا. وبين ضغط الواقع وثقل التوقعات، يصبح تأجيل الزواج أحيانًا خيارًا عقلانيًا، لا هروبًا. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في إيجاد صيغة جديدة للحياة الأسرية، صيغة تنتمي لهذا العصر، وتحفظ في الوقت ذاته جوهر الاستقرار الإنساني.
فالمسألة، في نهاية المطاف، ليست بين “زمان أول” و”زمان الآن”، بل في قدرتنا على فهم التحول، والتكيف معه، وصناعة مستقبل يليق بأحلام الشباب دون أن يفقدهم معنى الانتماء والأسرة.
 0  0  1.5K