تحريض الوالدين للأولاد على أحدهما، جرحٌ خفيّ يهدد كيان الأسرة
ما أقسى أن يفقد البيت معناه الأول، فيتحوّل من سكنٍ ورحمةٍ إلى ساحة شدٍّ وجذب، يُستدعى فيها الأولاد لا ليعيشوا طفولتهم بأمان، بل ليكونوا أطرافًا في نزاعٍ لم يختاروه، فيُطلب منهم – تصريحًا أو تلميحًا – أن يميلوا إلى أحد الوالدين، أو أن يُعيدوا تشكيل مشاعرهم تجاه الآخر، أو أن يحملوا في قلوبهم ما لا تطيق الفطرة حمله من انقسامٍ وولاءٍ متنازع، فينشأ الولد وهو لا يعرف كيف يجمع بين حبّه الطبيعي لكلا والديه، وبين خطابٍ يُراد له أن يصنع منه موقفًا حادًا، فيبدأ التمزق الهادئ في داخله قبل أن يُرى على سلوكه.
إن من أخطر ما يصيب البناء الأسري أن يتحوّل الأب أو الأم إلى مصدر توجيهٍ عاطفيٍ منحرف، فيُقدَّم أحد الوالدين بصورةٍ سلبيةٍ دائمة، أو يُطلب من الأولاد اتخاذ مواقف شعورية تجاهه، أو يُستثمر وجودهم لتأكيد خصومةٍ أو كسب ولاءٍ داخل البيت، وكأن الطفل لم يُخلق ليكون قلبه موضع رحمةٍ ورعاية، بل أداةً في ميزان النزاعات، مع أن فطرته الأولى قائمة على التعلّق بكلا والديه دون استثناء، وعلى النظر إليهما باعتبارهما مصدر الأمان الأول في حياته.
وقد جاء الشرع بتثبيت هذا المعنى في النفوس، فجعل بر الوالدين من أعظم القربات، وقرنه بحق الله سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولم يفرّق في الأمر بالإحسان بين حال الاتفاق وحال الخلاف، لأن المقصود حفظ مقام الوالدين في نفس الولد، لا تعليمه الانحياز بينهما، بل حتى أدنى مراتب الأذى نُهي عنها، فقال: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾، فكيف بما هو أشد من ذلك من تحريضٍ وتشويهٍ واستدعاءٍ للمشاعر ضد أحدهما.
إن تحريض الوالدين للأولاد على أحدهما يُعدّ من أخطر صور الإفساد التربوي والنفسي، لأنه ينقل الخلاف من دائرة الكبار إلى قلب الطفل، فيحمّله ما لا يطيق، ويزرع فيه انقسامًا داخليًا بين الانتماءين، فينشأ وهو يشعر أنه مضطر للاختيار بين طرفين لا يُفترض أن يُطلب منه المفاضلة بينهما، فيفقد تدريجيًا توازنه العاطفي، وتتشوه لديه صورة العدالة والرحمة، وقد يتحول هذا الأثر مع الزمن إلى صعوبة في بناء علاقات مستقرة، لأنه تربّى على أن القرب قد يكون مشروطًا، وأن الحب قد يكون مهددًا بالانقسام.
وهذا السلوك داخلٌ في أبواب محرّمة من وجوه متعددة؛ فيه ظلمٌ للولد بتكليفه ما لا يحتمل، وفيه إفسادٌ للعلاقة الطبيعية بينه وبين أحد والديه، وفيه قطعٌ ضمنيّ للرحم، وفيه تغذيةٌ للبغضاء داخل الأسرة، وقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يفضي إلى التباغض والتدابر، فقال: «لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا»، فكيف إذا كان مصدر هذا التباغض هو البيت نفسه، والميدان هو قلب الولد الذي يُفترض أن يكون أبعد ما يكون عن هذه الصراعات.
ومع ذلك، فإن طاعة الوالدين ليست طاعةً مطلقة في كل حال، بل هي مقيدة بالمعروف، فلا يجوز للولد أن يُطلب منه معصية، أو ظلم، أو قطيعة رحم، ولو كان الآمر أحد والديه، لقول النبي ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف»، وقوله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فإذا طُلب منه أن يعقّ أحدهما أو يسيء إليه أو ينقطع عنه، فلا يجوز له أن يطيع، لكن مع هذا الرفض الشرعي يبقى ملزمًا بحفظ الأدب، والامتناع دون إساءة، والسعي في الإصلاح ما استطاع، دون أن يتحول إلى طرفٍ في الخصومة أو أداةٍ لتمريرها.
وقد يصل الغضب بأحد الوالدين إلى الدعاء على الولد إذا لم يستجب لهذا التحريض، وهنا يظهر ميزان الشرع الدقيق في ضبط الانفعال، إذ إن الدعاء إذا تضمّن إثمًا أو قطيعة رحم لم يكن مقبولًا، كما قال النبي ﷺ: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل»، والتحريض على أحد الوالدين داخل في القطيعة دخولًا ظاهرًا، فالدعاء به ليس من مواطن القبول، بل هو تجاوز لحدود العبادة إلى دائرة العدوان، لأن العبادة لا تكون وسيلة لهدم ما أمر الله بحفظه من روابط.
وفي الختام، فإن أخطر ما يهدد الأسرة ليس وجود الخلاف بين الزوجين، بل تحويل هذا الخلاف إلى مشروع استقطابٍ داخل قلوب الأولاد، لأن الولد الذي يُربّى على الانقسام يفقد توازنه قبل أن يكتمل وعيه، ويكبر وهو يحمل أثرًا نفسيًا لا يُرى لكنه يُوجّه كل علاقاته، بينما تبقى الحكمة الحقيقية في كفّ الأيدي والألسنة عن تشكيل وعي الأولاد في اتجاهات متناقضة، وتركهم ينشؤون على حبٍّ متوازنٍ لكلا الوالدين، لأن ما يُزرع في الطفولة لا يُمحى بسهولة في الكِبر، ولأن الأسرة التي تُحفظ فيها الفطرة من التشويه، تُحفظ معها إنسانية الجيل القادم من الانكسار.
إن من أخطر ما يصيب البناء الأسري أن يتحوّل الأب أو الأم إلى مصدر توجيهٍ عاطفيٍ منحرف، فيُقدَّم أحد الوالدين بصورةٍ سلبيةٍ دائمة، أو يُطلب من الأولاد اتخاذ مواقف شعورية تجاهه، أو يُستثمر وجودهم لتأكيد خصومةٍ أو كسب ولاءٍ داخل البيت، وكأن الطفل لم يُخلق ليكون قلبه موضع رحمةٍ ورعاية، بل أداةً في ميزان النزاعات، مع أن فطرته الأولى قائمة على التعلّق بكلا والديه دون استثناء، وعلى النظر إليهما باعتبارهما مصدر الأمان الأول في حياته.
وقد جاء الشرع بتثبيت هذا المعنى في النفوس، فجعل بر الوالدين من أعظم القربات، وقرنه بحق الله سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولم يفرّق في الأمر بالإحسان بين حال الاتفاق وحال الخلاف، لأن المقصود حفظ مقام الوالدين في نفس الولد، لا تعليمه الانحياز بينهما، بل حتى أدنى مراتب الأذى نُهي عنها، فقال: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾، فكيف بما هو أشد من ذلك من تحريضٍ وتشويهٍ واستدعاءٍ للمشاعر ضد أحدهما.
إن تحريض الوالدين للأولاد على أحدهما يُعدّ من أخطر صور الإفساد التربوي والنفسي، لأنه ينقل الخلاف من دائرة الكبار إلى قلب الطفل، فيحمّله ما لا يطيق، ويزرع فيه انقسامًا داخليًا بين الانتماءين، فينشأ وهو يشعر أنه مضطر للاختيار بين طرفين لا يُفترض أن يُطلب منه المفاضلة بينهما، فيفقد تدريجيًا توازنه العاطفي، وتتشوه لديه صورة العدالة والرحمة، وقد يتحول هذا الأثر مع الزمن إلى صعوبة في بناء علاقات مستقرة، لأنه تربّى على أن القرب قد يكون مشروطًا، وأن الحب قد يكون مهددًا بالانقسام.
وهذا السلوك داخلٌ في أبواب محرّمة من وجوه متعددة؛ فيه ظلمٌ للولد بتكليفه ما لا يحتمل، وفيه إفسادٌ للعلاقة الطبيعية بينه وبين أحد والديه، وفيه قطعٌ ضمنيّ للرحم، وفيه تغذيةٌ للبغضاء داخل الأسرة، وقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يفضي إلى التباغض والتدابر، فقال: «لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا»، فكيف إذا كان مصدر هذا التباغض هو البيت نفسه، والميدان هو قلب الولد الذي يُفترض أن يكون أبعد ما يكون عن هذه الصراعات.
ومع ذلك، فإن طاعة الوالدين ليست طاعةً مطلقة في كل حال، بل هي مقيدة بالمعروف، فلا يجوز للولد أن يُطلب منه معصية، أو ظلم، أو قطيعة رحم، ولو كان الآمر أحد والديه، لقول النبي ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف»، وقوله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فإذا طُلب منه أن يعقّ أحدهما أو يسيء إليه أو ينقطع عنه، فلا يجوز له أن يطيع، لكن مع هذا الرفض الشرعي يبقى ملزمًا بحفظ الأدب، والامتناع دون إساءة، والسعي في الإصلاح ما استطاع، دون أن يتحول إلى طرفٍ في الخصومة أو أداةٍ لتمريرها.
وقد يصل الغضب بأحد الوالدين إلى الدعاء على الولد إذا لم يستجب لهذا التحريض، وهنا يظهر ميزان الشرع الدقيق في ضبط الانفعال، إذ إن الدعاء إذا تضمّن إثمًا أو قطيعة رحم لم يكن مقبولًا، كما قال النبي ﷺ: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل»، والتحريض على أحد الوالدين داخل في القطيعة دخولًا ظاهرًا، فالدعاء به ليس من مواطن القبول، بل هو تجاوز لحدود العبادة إلى دائرة العدوان، لأن العبادة لا تكون وسيلة لهدم ما أمر الله بحفظه من روابط.
وفي الختام، فإن أخطر ما يهدد الأسرة ليس وجود الخلاف بين الزوجين، بل تحويل هذا الخلاف إلى مشروع استقطابٍ داخل قلوب الأولاد، لأن الولد الذي يُربّى على الانقسام يفقد توازنه قبل أن يكتمل وعيه، ويكبر وهو يحمل أثرًا نفسيًا لا يُرى لكنه يُوجّه كل علاقاته، بينما تبقى الحكمة الحقيقية في كفّ الأيدي والألسنة عن تشكيل وعي الأولاد في اتجاهات متناقضة، وتركهم ينشؤون على حبٍّ متوازنٍ لكلا الوالدين، لأن ما يُزرع في الطفولة لا يُمحى بسهولة في الكِبر، ولأن الأسرة التي تُحفظ فيها الفطرة من التشويه، تُحفظ معها إنسانية الجيل القادم من الانكسار.