المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 22 أبريل 2026
نادية غالب الجودي
نادية غالب الجودي

وهم القمة وحقيقة الأثر

في عالم رقمي تتسارع فيه الصور، وتعلو فيه مؤشرات الحضور، لم يعد الظهور نتيجة طبيعية للإنجاز، بل تحول إلى غاية مستقلة تلاحق بذاتها.

أصبحت الأرقام لغة تقاس بها القيمة، والتصنيفات معيارًا يمنح وفقه الاعتبار، حتى غدا المشهد أشبه بساحة سباق لا تهدأ، يتدافع فيها الجميع نحو الصدارة، لا بدافع الإبداع وحده، بل بفعل قلق داخلي من التلاشي في الهامش أو الذوبان في زحام لا يعترف إلا بما يرى.

ومع تصاعد هذا الهاجس، تغيرت بوصلة كثيرين؛ فبدل أن يكون التميز رحلة بناء، أصبح محاولة إثبات . وهنا، تبدأ المفارقة: فالقمة التي يظن أنها نهاية الطريق، تكشف عند الوصول إليها عن وجه آخر.

إذ إن القمة التي لا تتسع إلا لشخص واحد لا تمنح صاحبها الاستقرار، بل تثقله بهاجس الحفاظ عليها، وتضعه في دائرة دائمة من الترقب والتوجس.

فيتحول الإنجاز من لحظة اكتمال إلى حالة حراسة ويذوب الشعور بالرضا في قلق لا ينتهي.

إن الإشكال لا يكمن في الطموح، بل في تعريفه. فحين يُختزل النجاح في موقعٍ يُحتل، يصبح هشًّا، مرتبطًا بظرفٍ ومتغير، قابلًا للفقد في أي لحظة.

أما حين يُفهم بوصفه أثرًا يُصنع، فإنه يتحول إلى قيمة ممتدة، لا تُقاس بزمنٍ ولا تُحاصر بمكان.

فالأثر الحقيقي هو ما يبقى بعد انقضاء اللحظة، وما يعكس صدق التجربة وعمق الرؤية.

ومن هنا، تتجلى حقيقة التفرد ؛ فكل إنسان يحمل بصمته الخاصة، التي لا يمكن تكرارها أو منافستها.

ليست القمم واحدة، ولا الطرق متشابهة، بل لكل تجربة مسارها، ولكل ساعٍ أفقه.

وحين يدرك الإنسان ذلك، يتحرر من وهم المقارنة ويتجه نحو البناء الداخلي، حيث يكون التنافس الحقيقي مع الذات، لا مع الآخرين. أن تسأل نفسك: كيف كنت؟ وكيف أصبحت؟
وماذا أضفت؟ هو السؤال الذي يصنع الفارق، لا أين تقف مقارنة بغيرك.

وفي هذا السياق، يظهر الفارق الجوهري بين نوعين من التنافس: أحدهما ينمي والآخر ينهك.

فالتنافس البنّاء ينطلق من رغبة صادقة في التحسين، ويقود إلى تطوير مستمر لأنه يستمد قوته من الداخل. أما التنافس القائم على المقارنة، فيستنزف الطاقة، ويعيد تعريف النجاح بوصفه إزاحة للآخرين لا إضافة إلى المشهد، فيفقد العمل روحه، ويتحول الإبداع إلى مجرد وسيلة للظهور.

وحين ينشغل الإنسان بمواقع الآخرين، يبتعد تدريجيًا عن جوهره وتتحول رحلته من اكتشاف وبناء إلى ملاحقة ومقارنة. وهنا، تضيق الرؤية مهما اتسعت الفرص لأن البوصلة لم تعد تشير إلى الداخل، بل إلى الخارج.

أما حين يعاد توجيه الجهد نحو ما يقدم، تتسع المساحات وتظهر آفاق لم تكن مرئية في زحام السباق.

لذلك، فإن إعادة تعريف القمة بوصفها أثرًا لا موقعًا، تعد تحول في الوعي يعيد للإنسان توازنه وللإنجاز معناه، وللإبداع روحه. فالقمة الحقيقية هي تلك التي نتركها خلفنا، شاهدة على ما صنعناه من قيمة وما أضفناه من أثر.

وهنا تتجلى الخلاصة بوضوح: من جعل همّه جودة ما يقدم ، اتسعت له الحياة، ووجد مكانه دون صراع لأن القمم تتعدد بتعدد الأثر؛ أما من انشغل بموقعه بين الآخرين، فقد ضيّق أفقه بيده وظل يطارد مكانًا لن يكتفي به ولو بلغ أعلى القمم.
بواسطة : نادية غالب الجودي
 0  0  2.6K