فن التعشير ليس زينة مزارع… بل صوت القبيلة حين تتكلم!
تحريا للحقيقة وردا على ما ذكر في تغريدة وزارة الثقافة وفقهم الله وبيانٌ لتصحيح معلومة وبكل دقة لحماية فنٍ أصيل من التشويه والاختزال
أردت بعد اذنكم وخصوصا في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتُختزل فيه الحكايات في سطورٍ عابرة يقع كثيرٌ من الموروث في فخ التبسيط المخلّ أو الربط غير الدقيق. ومن أبرز ذلك ما يُتداول حول فن التعشير حين يُربط بزراعة الورد الطائفي وكأنه طقسٌ من طقوس الحقول أو جزءٌ من مشاهد الحصاد… بينما في والواقع والحقيقة أبعد من ذلك بكثير، وأعمق جذورًا في ذاكرة المكان والإنسان.
إن التعشير ليس فنًا زراعيًا ولا وُلد بين مزارع الورد بل هو فنٌ قبليٌ ضاربٌ في القدم سبق ظهور زراعة الورد الطائفي بسنين طويلة. هو طقسٌ احتفالي يمارسه أكثر القبائل في محافظة الطائف خصوصا ويعد مشهدٌ من مشاهد الفرح الجماعي و ارتبط بالمناسبات الكبرى التي تعيشها القبائل كقدوم المواليد وختانهم واستقبال الوفود ومناسبات الزواج حيث تُعلن الأفراح بصوتٍ عالٍ وتُترجم المشاعر إلى أفعالٍ نابضة بالحياة.
وهنا في قلب هذا المشهد يتقدّم المرتجز منشِدًا قصائد الرجز بصوته الجهوري فتتردد خلفه الجموع في انسجامٍ يُشبه صدى الجبال وهنا تبدأ لحظة التعشير…
يتقدّم المُعشِّر بخطواتٍ موزونة، يحمل بندقيته التي تُعرف بـ(القدّاحي أو المقطع)، يترقّب نهاية الأبيات، ثم ينطلق في أداءٍ يجمع بين الجرأة والدقة يقفز قفزاتٍ متتابعة ويضغط الزناد في لحظةٍ محسوبة، موجّهًا فوهة البندقية بين قدميه أثناء القفز في مشهدٍ يُجسّد مهارةً عالية وثقةً لا تُجيدها إلا من تشبّع بهذا الموروث.
وفي بعض قبائل جنوب المملكة، تختلف الزاوية، فتُوجَّه فوهة البندقية نحو السماء وكأن الطلقات رسائل فخرٍ تُطلق في الفضاء، تعبّر عن الاعتزاز والانتماء.
لقد عُرف هذا الفن لدى قبائل الطائف و بعض قبائل الجنوب وما جاورها وهو كان ولا يزال جزءًا من هويتها الثقافية وذاكرتها الاجتماعية، التي تُحاكي الرجولة، وتُعبّر عن التكاتف وتُخلّد الفرح بأسلوبٍ فريد.
ًومن هنا، فإن ربط التعشير بزراعة الورد الطائفي، إنما هو خلطٌ بين سياقين مختلفين فوجوده اليوم في بعض المزارع لا يعدو كونه توظيفًا بصريًا لجذب الزوار لا امتدادًا حقيقيًا لأصل هذا الفن. فالتعشير لا يُولد من الأرض المزروعة، بل من روح القبيلة، ومن تاريخٍ طويلٍ من الفرح والاحتفاء.
الخاتمة:
إن التعشير ليس عرضًا سياحيًا يُؤدّى لإرضاء الكاميرا ولا لقطةً عابرة تُستهلك في منصات التواصل، بل هو إرثٌ يُصان وهويةٌ تُحفظ وصوتُ تاريخٍ لا يقبل المغالطة . ومن الغيرة الصادقة على هذا الفن العظيم الذي تفخر به المملكة أن نضع له حدوده ونصون معناه ونمنع اختزاله في سياقاتٍ لا تليق به.
فالتاريخ إذا أُعيدت صياغته على هوى الصورة ضاع
والموروث إذا جُرّد من حقيقته… مات.
