المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
السبت 18 أبريل 2026
د. بندر الحنيشي
د. بندر الحنيشي

عن د. بندر الحنيشي

دكتوراه في الفقه المقارن، عضو محكمة لندن الدولية، مستشار شرعي وقانون وتحكيم دولي.

علي بن ساعد الحنيشي رجل المواقف حين تشتد الويلات



حين تنسل الميادين من ثباتها، وتشتد على الرجال الويلات، وتضيق الارض بما رحبت، لا يبقى في الساحة إلا أولئك الذين خلقوا ليكونوا سندا في الشدائد، وعنوانا للفعل حين يعجز القول؛ هناك، وفي تلك اللحظات الفارقة، تبرز معادن الرجال، لا بأسمائهم، بل بأثرهم، لا بألقابهم، بل بما يقدمون من مال وحال، ومن موقف لا يتزعزع أمام العواصف.

وفي طليعة أولئك يبرز علي بن ساعد الحنيشي، رجل لا يقاس بعدد ما قال، بل بما فعل، ولا يوزن بحجم حضوره في المجالس، بل بثقله في المواقف؛ رجل إذا ادلهمت الخطوب، كان أول الحاضرين، وإذا انفرجت، كان آخر من يذكر، كأنما جبل على العطاء صامتا، وعلى الوقوف ثابتا، وعلى البذل كأنه واجب لا مكرمة.

ليس العجب أن يمدح مثله، فمدحه ليس صنيع شاعر، بل ضرورة واقع يشهد له، وكأن الشاعر قد استبق الزمن حين قال:

لا تعجب الناس من كري مدائحه
فليس ذلك مني موضع العجب
أوصافه علمتني كل معجزة
من الغرائب لا التجويد في الادب
وأين مثل علي في مفاخره
إذا تنازعت السادات في الرتب

فهذه الابيات ليست زخرفا لفظيا، بل ترجمة لحقيقة يدركها من عرف الرجل عن قرب؛ إذ إن أوصافه هي التي تفرض المدح فرضا، وتجعل الثناء نتيجة لا اختيارا، وتجعل الحروف تسير خلف المعاني لا العكس.

إن علي بن ساعد الحنيشي ليس مجرد اسم يتداول، بل هو حالة من الرجولة المتكاملة، حيث يلتقي الكرم بالشجاعة، والحلم بالحزم، والوفاء بالفعل؛ رجل إذا حضر اطمأن الناس، وإذا غاب افتقدوا ميزانا كانوا يزنون به الرجال، وكأن حضوره معيار، وفعله مقياس.

وفي زمن اختلطت فيه المعايير، وتقدم فيه الضجيج على الحقيقة، يبقى أمثال هذا الرجل شاهدا حيا على أن الرجولة لا تزال بخير، وأن في الناس من إذا اشتدت النوائب، كان لهم فيها رأي، ويد، وموقف يعيد للأشياء توازنها، وللرجال مكانتهم.

هو رجل بألف رجل، لا لأن العبارة قيلت، بل لأن الواقع أثبتها، ولأن الايام في شدتها قبل رخائها نطقت بها دون تكلف، فصار اسمه مرادفا للفزعة، وذكره شاهدا على أن المعادن الاصيلة لا تصدأ، وإن طال عليها الزمن.
 0  0  2.2K