المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الأربعاء 15 أبريل 2026
وسميه محمد العبيدان
وسميه محمد العبيدان

من الجرجير إلى....أرغولا سالاد ..

شهدت الأجيال الحديثة تحوّلات ملحوظة في أنماط الحياة والسلوك، بفعل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وما تفرزه من "ترندات" تنتشر بسرعة لافتة. هذه التغيرات ليست جميعها سلبية، بل يحمل بعضها جوانب إيجابية تعكس انفتاحًا وتنوّعًا ثقافيًا، إلا أن الإشكالية تكمن أحيانًا في فقدان التوازن بين التطور والمحافظة على الهوية الأصيلة.
من الأمثلة اللافتة على ذلك تغيّر نظرة المجتمع إلى بعض الأطعمة التقليدية. فـ"الجرجير" الذي كان يُنظر إليه سابقًا كطعام بسيط يرتبط ببيئات محددة، أصبح اليوم يُقدَّم تحت مسمى "أرغولا سالاد" ويُزيَّن بإضافات عصرية كحبّات الرمان، ليأخذ طابعًا مختلفًا تمامًا. ولا شك أن إعادة تقديم الأطباق الشعبية بأساليب حديثة أمر جميل، لكنه يصبح أكثر قيمة حين يحافظ على اسمه وهويته، بدلًا من تغليفه بمسميات أجنبية تفصله عن جذوره.
وينطبق الأمر ذاته على أطباق أخرى، مثل "السليق" الذي يُعدّ من الأكلات التراثية العريقة، حيث قد يُقدَّم في بعض المطاعم بأسلوب قريب من "الريزوتو" وبأسعار مرتفعة، فيتحول من طبق شعبي بسيط إلى تجربة فاخرة تحمل اسمًا مختلفًا، رغم تشابه المكونات والفكرة. هنا يظهر التساؤل: هل نحن نطوّر الموروث أم نعيد تقديمه بهوية جديدة تُفقده معناه الأصلي؟
ولا يقتصر التغيّر على الطعام فحسب، بل يمتد إلى الأزياء والمظاهر. فبعض القطع التقليدية، مثل "الغوايش"، التي كانت تُنسب في الماضي إلى فئات معينة، أصبحت اليوم رمزًا للأناقة والموضة. وهذا التحول يعكس قدرة الثقافة على التجدد، لكنه يذكّرنا أيضًا بأهمية احترام الماضي وعدم التقليل من قيمته قبل أن يصبح "ترندًا".
أما على مستوى السلوك والتواصل، فقد ظهرت أنماط جديدة في الحديث والتعبير، حيث يسعى البعض إلى تبنّي أساليب مصطنعة لإيصال صورة اجتماعية معينة، وكأن الرقي يُقاس بطريقة الكلام أو بالمصطلحات المستخدمة. في حين أن البساطة والعفوية غالبًا ما تكون أكثر صدقًا وقبولًا.
كما برزت ظواهر أخرى مرتبطة بتقليد أنماط الحياة، ومن ذلك اقتناء الحيوانات بدافع الموضة أو التأثر بالمؤثرين، دون وعي كافٍ بالمسؤوليات المترتبة على ذلك أو بالخلفيات الثقافية والدينية المرتبطة به. وبالنظر إلى خصوصيتنا الإسلامية، فإن اقتناء الكلاب في المنازل ليس أمرًا عاديًا أو مجرد اختيار شخصي خالٍ من الضوابط، بل تحكمه أحكام شرعية معروفة؛ فقد ورد أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب، كما ثبت في السنة أن الإناء إذا ولغ فيه الكلب فإنه يُغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وهو ما يدل على وجوب التعامل مع هذا الأمر بوعي والتزام، لا بدافع التقليد أو مجاراة ما يُعرض في وسائل التواصل.
إن استحضار هذه الأحكام لا يأتي من باب التضييق، بل من منطلق الحفاظ على هوية المسلم وامتثاله لما يؤمن به من قيم وتشريعات. فليس كل ما يُعرض أو يُروّج له مناسبًا لكل مجتمع، خاصة إذا تعارض مع ثوابته الدينية.
في خضم هذه التحولات، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التغيير ذاته، بل في كيفية التعامل معه. فالمجتمعات الحية تتطور بطبيعتها، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على جذورها التي تمنحها هويتها وتميّزها. ومن هنا، فإن التوازن بين الأصالة والمعاصرة هو الطريق الأمثل؛ أن نواكب الجديد دون أن نتنكر لما نحن عليه.
ختامًا، يبقى الاعتزاز بالثقافة المحلية والهوية الأصيلة ضرورة، ليس من باب الانغلاق، بل من منطلق الوعي بقيمتها. فالتجديد لا يعني الاستبدال، والتطور لا يكتمل إلا حين يكون امتدادًا طبيعيًا لما سبق، لا قطيعة معه، خاصة حين يكون هذا الامتداد منسجمًا مع مبادئ الدين وقيم المجتمع.
 0  0  1.6K