جوالك جاسوس فليس كل ما في يدك لك، وبعض ما تنشره عليك
نحن الآن في أزمة حربية كما هو معلوم؛ تتكاثر فيها الشرارات، وتضطرب الساحات، وترصد الأنفاس قبل الخطوات.
تظن أنك بعيد عن الميدان، وأنك مجرد متابع خلف شاشة، لكن الحقيقة أشد وقعا، أنت في قلب المعركة ما دمت تدير عدسة الجوال وتضغط زر النشر.
فالهاتف الذي في يدك ليس جهازا بريئا.
إنه عين ترى، وأذن تلتقط، ولسان يذيع.
وإن لم تحسن قيادته قادك إلى حيث لا تريد.
حيث يوثق وتراها لحظة لكن العدو يرونها معلومة.
تراها مشهدا عابر ويرونها تحليلا متكاملا.
تراها توثيقا وقد تكون كشفا.
إذن الذي يجب عليك، واجبًا لازمًا؟
لا تصور نعم، لا تصور.
فالصورة التي تلتقطها بدافع الفضول قد تكون خريطة ميدانية.
واللقطة التي تراها عادية قد تكشف موقعًا، أو توقيتا، أو تحركا حساسا.
تفصيل صغير في زاوية الإطار قد يساوي عند العدو تقريرا كاملا.
فالتصوير وقت الأزمات ليس توثيقا بل كشف.
لا تصور ولا تنشر وقت الأزمات.
لا تكن مصدرا لمعلومة حساسة.
فالمشهد العابر قد يكشف موقعا ثابتا.
كل زاوية تحمل إحداثية.
كل ظل قد يدل على اتجاه.
كل معلم ظاهر قد يحدد مكانا.
لا تقل: مجرد صورة.
ولا تقل: مجرد تعليق.
فالحروب اليوم تدار بالبيانات كما تدار بالذخيرة، وتخاض بالمعلومة كما تخاض بالصواريخ.
التغريدة رصاصة.
والبث المباشر إحداثية.
والتحليل المرتجل ثغرة.
لا تلق على أحداث ملتبسة.
لا تحلل ما لا تعلم.
لا تشارك ما لم يصدر عن جهة مسؤولة.
فقد تظن أنك تخدم وطنك، بينما تمنح خصمه ما يبحث عنه منذ سنوات .
وقد تتباهى بأنك سبقت الجميع، بينما كنت أول من فتح الباب للعدول .
تأكد أن العدو لا يحتاج إلى اختراقك إن كنت تنشر له طواعية.
ولا يحتاج إلى جاسوسٍ إن كنت تمنحه الصورة موقَّعة باسمك
فعليك مسولية عظيمة احم التفاصيل، لا تشاركها.
توقف قبل أن تنشر.
ما تنشره اليوم قد يستغل غدا.
فما ينشر لا يسترد، وما يتداول لا يمحى،
وما يستغل لا يغفر بسهولة.
اعلم الوطنية ليست صراخا في المنصات،
ولا حماسة عمياء، ولا رغبة في لفت الانتباه.
الوطنية انضباط.
الوطنية وعي.
الوطنية أن تعرف متى تسكت.
وعليه، يجب عليك أن تلتزم بالصمت المسؤول.
نعم، الصمت في أوقات الاضطراب موقف.
والامتناع عن النشر حماية.
وكفّ اليد عن الهاتف قد يكون أعظم من ألف شعار.
فاحفظ هاتفك كما تحفظ سلاحا خطرا؛
فهو سلاح إن لم تحسن استخدامه، أصاب صفك قبل أن يصيب عدوك.
فلعل أعظم خدمة تقدمها لوطنك
أن تغلق الكاميرا، وتكف التعليق، وتدرك أن جوالك إن لم تضبطه قد يكون جاسوسًا يعمل باسمك ضدك.
أخيرا: حافظ على أمنك وأمن مجتمعك.
فأمن الأوطان يبدأ بوعي الأفراد، ووعي الأفراد يبدأ من إصبع يتوقف… قبل أن يضغط وبنشر.