على صفيح الشرق الأوسط، حرب المصالح بين إيران وإسرائيل في ميزان القوة والتاريخ
تشهد المنطقة تصعيدًا متسارعًا بين إيران وإسرائيل، في ظل حضور مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة، حتى بدا المشهد وكان العالم يقف على حافة تحول كبير. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ تكشف أن ما يجري اليوم ليس استثناءً في مسار الأمم، بل هو امتداد لسلسلة صراعات قديمة تتبدل أدواتها وتبقى دوافعها صراع نفوذ، وموازين قوة، وحسابات أمن ومصالح.
إن الحروب ليست وليدة العصر الحديث، ولا هي طارئة على الجغرافيا السياسية للمنطقة. فقد شهدت الأرض قبل البعثة النبوية صراعًا عالميًا شهيرًا بين الروم وفارس، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، فكان في ذلك إشارة إلى تقلب موازين القوة، وأن الهزيمة ليست قدرًا دائمًا، وأن النصر ليس حالة أبدية. ذلك الصراع القديم بين إمبراطوريتين عظيمتين يذكرنا بأن التدافع سنة ماضية، وأن الأمم تتداول القوة فيما بينها، وأن قراءة الأحداث ينبغي أن تكون بوعي تاريخي لا بانفعال آني.
في المشهد الراهن، ترى إيران في حضورها الإقليمي عمقًا استراتيجيًا وأداة ردع تحمي أمنها القومي، بينما تنظر إسرائيل إلى هذا التمدد بوصفه تهديدًا مباشرًا، فتسعى إلى تحجيمه بضربات عسكرية محسوبة وعمليات استخباراتية دقيقة. أما الولايات المتحدة، فتقف عند تقاطع المصالح؛ تحرص على حماية حلفائها، وتمنع في الوقت ذاته انفجارًا واسعًا قد يربك حساباتها الدولية ويستنزف مواردها.
وبين هذه الأطراف الثلاثة تتشابك الملفات، إسقاط النظام والنووي، والأمن البحري، والتحالفات الإقليمية، وممرات الطاقة، وكلها عناصر تجعل أي خطأ في التقدير مكلفًا للجميع.
غير أن أخطر ما في الحروب المعاصرة ليس السلاح وحده، بل حرب الوعي.
فمع كل تصعيد، تتكاثر الأخبار العاجلة، وتنتشر الصور المفبركة، والتصريحات المنحولة، والتحليلات التي تُرسم لخدمة أجندات خفية. فيتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة موازية، تُستهدف فيها العقول قبل المواقع، وتُختبر فيها تماسك المجتمعات قبل قوة الجيوش.
وهنا تتجلى مسؤولية الأفراد في التثبت، وعدم الانجراف خلف كل رواية، ورد الأمر إلى أهله، إذ إن إدارة الأزمات شأن مؤسسات تملك المعطيات الكاملة وتُقدّر العواقب بميزان المصالح والمفاسد.
وتبقى دول الخليج في قلب هذه المعادلة؛ فاستقرار الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وسلامة الحدود، قضايا تمس أمنها القومي مباشرة.
ومن ثم فإن الحكمة السياسية تقتضي دعم مسارات التهدئة، وتغليب لغة الدبلوماسية، ومنع انتقال الصراع إلى ساحات أوسع. فالحرب – إن اتسعت – لا تقف عند حدود المتحاربين، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق، بل وإلى الأمن الاجتماعي داخل الدول.
إن دروس التاريخ، من صراع الروم وفارس إلى نزاعات العصر الحديث، تؤكد أن القوة وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا، وأن الحروب مهما اشتدت فإنها تنتهي إلى طاولة تفاوض أو إعادة ترتيب لموازين القوى.
أما الشعوب التي تحافظ على وعيها وتماسكها، وتلتزم الحكمة في القول والعمل، فهي الأقدر على عبور العواصف بأقل الخسائر.
نسأل الله أن يجنب المنطقة ويلات الفتن، وأن يهيئ لها من أمرها رشدًا، وأن يجعل عاقبة التدافع أمنًا واستقرارًا وسلامًا.