رمضان… ما بين أهلًا تُقال بشوق ومهلًا تُهمَس بحزن
يمرّ الوقت كغمضة عين كأن الأيام تتسابق لتعلّمنا أن النفحات العظيمة لا تطيل البقاء لكنها تترك أثرًا لا يزول.
يأتي رمضان فنفرح به فرح العائد إلى وطنه؛ تفرح القلوب قبل البيوت وتزدان الأرواح قبل الشوارع. نستقبله بلهفة الدعاء وبأمل التغيير وبشعورٍ داخلي يقول:
هذا موسم آخر للترميم، للصفاء للبدء من جديد.
فهو ليس مجرد شهرٍ في التقويم بل موعدٌ سنوي مع الذات ووقفة صدق مع الله ومحاسبة هادئة لما كان واستعداد لما ينبغي أن يكون.
رمضان ليس امتناعًا عن طعامٍ وشراب بل مدرسة تربية متكاملة؛
تربّي الإرادة حتى تشتد فلا تقودها الشهوة.
وتهذّب الصبر حتى يسمو فلا تهزّه العجَلة.
وتعلّم الإنسان كيف يملك نفسه حين يملك رغباته.
فيحتمل الصائم ما لا يحتمله غيره بقلبٍ راضٍ ونفسٍ مطمئنة وعقلٍ واعٍ..
في رمضان تقوى الروح وتتحرر من سلطان العادة وتسمو فوق ضجيج الدنيا.
تخفّ الأصوات العالية وتعلو الهمسات الصادقة.
ويتعلم الإنسان أن القيم ليست شعارات بل سلوكًا يوميًا.
وأن العبادة ليست طقسًا مؤقتًا بل أسلوب حياة.
هو شهر بناء الإنسان المتوازن:
متوازن في إيمانه
راقٍ في سلوكه
ثابتٍ في قيمه
رحيمٍ في تعامله
قويٍّ في ضبطه لنفسه.
لكنّ عجب رمضان أنه سريع الرحيل…
نعد أيامه في البداية ثم نفاجأ في نهايته بأن الوداع قد اقترب.
فننظر خلفنا ونسأل:
هل تغيّرنا حقًا؟
هل خرجنا من هذه المدرسة بشهادة سلوك لا بمجرد ذكرى؟
فمن دخل رمضان بصدق خرج منه إنسانًا آخر؛
أنقى قلبًا وأهدأ نفسًا وأوضح مقصدًا.
وإن كان رمضان يمضي مسرعًا فإن أثره باقٍ لمن أحسن التعلّم فيه.
سلامٌ على رمضان يوم أتى
وسلامٌ عليه يوم يمضي
وسلامٌ على القلوب التي عرفته مدرسةً للحياة لا شهرًا عابرًا في الزمن.