يومُ التأسيس… حين ينهضُ التاريخُ في هيئةِ وطن
إعداد الدكتور: فيصل بن محمد المطيري
ليس يومُ التأسيس تاريخًا يُتلى، بل هو قصيدةُ الأرض حين تستعيدُ نَفَسَها الأول، وهو السفرُ الذي انفتحت صفحاته في عمق الزمن ليُعلِّم الصحراء كيف تُنبتُ دولًا، ويُعلِّم الريحَ كيف تحملُ رايةً لا تنكسر. في هذا اليوم لا نقف على عتبةِ ذكرى، بل ندخلُ إلى فضاءِ المعنى؛ حيث تتحولُ اللحظةُ إلى قدر، والقدرُ إلى وطن.
حين نهض الإمامُ محمد بن سعود لم يكن يؤسسُ حكمًا في حدود المكان، بل كان يُشعلُ مصباحًا في ليل الجزيرة، ويكتبُ بالحكمة سطرًا أول في كتاب المجد. ومنذ تلك اللحظة صار للتراب ذاكرة، وللبيوت طمأنينة، وللطرق ملامحُ أمان؛ وكأن التاريخ قد اختار هذه الأرض ليجعلها نصَّه الأبهى.
إنّ التأسيس في جوهره فعلُ وعيٍ حضاري؛ انتقالٌ من التفرّق إلى الاجتماع، ومن الاضطراب إلى النظام، ومن العابر إلى الراسخ. إنه لحظةُ تشكّل الهوية حين وجدت لنفسها مركزًا، وارتدت من القيم ثوبًا، ومن الشريعة نهجًا، ومن الإنسان غاية. ومن هنا غدا الوطن فكرةً كبرى قبل أن يكون جغرافيا، ومنظومةَ معنى قبل أن يكون حدودًا.
ثم تمضي الفصولُ، فيأتي عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فيجمعُ الشّتات كما تُجمعُ النجوم في كفِّ السماء، ويصوغُ من التعدّد وحدةً لها قلبٌ واحد. ومن بعده تتوالى الأعوامُ وهي تحملُ المشعل ذاته، حتى غدت هذه البلادُ في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده محمد بن سلمان ابن عبدالعزيز نصًّا مفتوحًا على المستقبل؛ حيث تتعانقُ الأصالةُ مع الرؤية، ويغدو الحلمُ مشروعًا، والمشروعُ واقعًا.
يومَ التأسيس فيك نرى الآباء وهم يسلّمون للأبناء مفاتيح الدار الكبرى، دار اسمها المملكة العربية السعودية؛ دارٌ سقفها السماء، وأعمدتها التاريخ، وأبوابها المستقبل. فيك نرى الصحراء وقد تحولت إلى مكتبةٍ من الإنجاز، وإلى منارةٍ تقول للعالم إن الأمم التي تعرف بداياتها تُحسنُ كتابة نهاياتها.
إنه يومٌ نؤكد فيه أن هذا الوطن لم يُبنَ بالسيف وحده، بل بوعي الإنسان، وعدل القيادة، وصدق الانتماء. يومٌ نجدد فيه العهد بأن نبقى أوفياء لرسالة التأسيس: وحدةً لا تتفرق، وعزمًا لا يلين، ومجدًا يتجدّد.