حين يُحادث الإنسانُ نفسَه بين ظلالِ الخوفِ ونورِ اليقين.. قراءة أدبية في أسئلة العمر والرزق والمصير
في لحظةٍ يخلو فيها الإنسانُ إلى ذاته بعيدًا عن صخب الحياة وضجيج المجالس، وتتراجع الأصوات من حوله حتى لا يبقى سوى نبضه المتردد في صدره، يبدأ الحوار الأصدق والأعمق، حوارٌ لا شهود عليه إلا الضمير، ولا تصفيق فيه ولا مجاملات، بل مواجهة هادئة بين المرء ونفسه.
يتسلل السؤال الأول كما لو كان همسًا خافتًا: ما مستقبلي؟ ثم يتبعه سؤالٌ أشد ثقلاً: كم بقي لي من العمر؟ وهل بقي لي رزق ينتظرني في الطريق؟ وهل سأمرض؟ وهل تخبئ الأيام لي ما لا أطيق من مفاجآتٍ واختبارات؟
هذه الأسئلة ليست ضعفًا في ذاتها، وليست دليل اضطرابٍ كما يظن بعض الناس، بل هي تعبيرٌ صادق عن وعي الإنسان بفنائه، وعن إدراكه أن الحياة ليست ملكًا مطلقًا له، وأن الغد صفحة لم تُفتح بعد، غير أن الفرق الجوهري يكمن في طريقة استقبال هذه الأسئلة؛ أهي مدخلٌ إلى النضج أم بابٌ إلى القلق؟
إن حديث النفس نعمةٌ حين يكون مراجعةً صادقة وتخطيطًا متزنًا وترتيبًا للأولويات، لكنه يتحول إلى عبءٍ ثقيل حين يصبح اجترارًا دائمًا للمخاوف وتضخيمًا للمجهول واستباقًا لأحداثٍ لم تقع بعد، فالتأمل نورٌ يهدي، أما القلق فظلٌ يطيل الليل في داخل الروح.
وقد وضع النبي ﷺ ميزانًا دقيقًا يختصر منهج الحياة في كلمات قليلة جامعة فقال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، فدلّنا على أن العمل فيما نملك هو مسؤوليتنا، وأن الاستعانة بمن يملك الغيب كله هي طمأنينتنا، وأن الاستسلام للعجز ليس خيارًا لمن يريد حياة متزنة.
أما السؤال عن طول العمر أو قصره، فهو سؤالٌ عن أمرٍ استأثر الله بعلمه، قال تعالى: ﴿وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت﴾، فالطمأنينة لا تأتي من كشف الغيب، بل من الثقة بمدبّر الغيب، ولا يُكتب للإنسان أن يعرف متى تنتهي رحلته، لكنه يُعطى فرصة أن يحسن مسيرته.
وكذلك الرزق، فإنه ليس رهينة الخوف ولا نتيجة القلق، فقد جاء في الحديث الشريف: «إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها»، فلا القلق يزيد مالًا، ولا الخوف يفتح بابًا مغلقًا، بل إن الاطمئنان هو الذي يمنح القلب قوة السعي وثبات الخطوة.
وقد قالت العرب قديمًا: “الدهر يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك”، وهي حكمة تختصر تقلبات الحياة بين عافية وابتلاء، وبين فرحٍ وانكسار، فلا دوام لسرورٍ مطلق، ولا استمرار لحزنٍ أبدي، وإنما هي موجات تتعاقب، والبحر يبقى في اتساعه مهما تعاقب عليه المد والجزر.
ليس السؤال إذن: هل سأمرض؟ فالجسد بطبيعته عرضةٌ للضعف، وإنما السؤال الأصدق: هل أملك قلبًا صابرًا إن مرضت، ونفسًا راضية إن ابتُليت، وعقلًا حكيمًا إن واجهت مشكلة؟ فالحياة لا تعِد أحدًا بعافيةٍ دائمة، لكنها تمنح كل إنسان فرصة أن يختار موقفه من الأحداث.
ويتكرر السؤال في أعماق النفس: ماذا بقي لي من حياتي؟ غير أن السؤال الأجدر أن يُطرح هو: كيف سأعيش ما بقي؟ فالعمر لا يُقاس بطوله، بل ببركته، ولا تُخلّد الإنسان سنواته، بل أثره في الناس، وكم من أعوامٍ مرّت بلا معنى، وكم من أيامٍ قليلة صنعت ذكرى لا تمحى.
إن القلق لن يمدّ عمرًا، ولن يوسّع رزقًا، ولن يمنع قدرًا، لكنه قد يسرق جمال الحاضر ويطفئ نور اللحظة، أما اليقين فيمنح القلب سكينة، ويجعل الخطوة ثابتة، ويعلّم الإنسان أن يعمل في حدود الممكن، ويُسلّم ما وراء ذلك إلى حكمة الله.
فليكن حديثنا مع أنفسنا مجلس إصلاح لا ساحة محاكمة، ولنجعل من أسئلتنا جسورًا إلى النضج لا متاريس للخوف، ولنمضِ في الحياة بقلبٍ مطمئن وعقلٍ متزن وروحٍ تؤمن أن ما كُتب لها سيأتيها، وأن ما مضى كان درسًا، وأن ما بقي فرصة تستحق أن تُعاش بوعيٍ ورضا.
----------
الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
كاتب صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي والفكري
يتسلل السؤال الأول كما لو كان همسًا خافتًا: ما مستقبلي؟ ثم يتبعه سؤالٌ أشد ثقلاً: كم بقي لي من العمر؟ وهل بقي لي رزق ينتظرني في الطريق؟ وهل سأمرض؟ وهل تخبئ الأيام لي ما لا أطيق من مفاجآتٍ واختبارات؟
هذه الأسئلة ليست ضعفًا في ذاتها، وليست دليل اضطرابٍ كما يظن بعض الناس، بل هي تعبيرٌ صادق عن وعي الإنسان بفنائه، وعن إدراكه أن الحياة ليست ملكًا مطلقًا له، وأن الغد صفحة لم تُفتح بعد، غير أن الفرق الجوهري يكمن في طريقة استقبال هذه الأسئلة؛ أهي مدخلٌ إلى النضج أم بابٌ إلى القلق؟
إن حديث النفس نعمةٌ حين يكون مراجعةً صادقة وتخطيطًا متزنًا وترتيبًا للأولويات، لكنه يتحول إلى عبءٍ ثقيل حين يصبح اجترارًا دائمًا للمخاوف وتضخيمًا للمجهول واستباقًا لأحداثٍ لم تقع بعد، فالتأمل نورٌ يهدي، أما القلق فظلٌ يطيل الليل في داخل الروح.
وقد وضع النبي ﷺ ميزانًا دقيقًا يختصر منهج الحياة في كلمات قليلة جامعة فقال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، فدلّنا على أن العمل فيما نملك هو مسؤوليتنا، وأن الاستعانة بمن يملك الغيب كله هي طمأنينتنا، وأن الاستسلام للعجز ليس خيارًا لمن يريد حياة متزنة.
أما السؤال عن طول العمر أو قصره، فهو سؤالٌ عن أمرٍ استأثر الله بعلمه، قال تعالى: ﴿وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت﴾، فالطمأنينة لا تأتي من كشف الغيب، بل من الثقة بمدبّر الغيب، ولا يُكتب للإنسان أن يعرف متى تنتهي رحلته، لكنه يُعطى فرصة أن يحسن مسيرته.
وكذلك الرزق، فإنه ليس رهينة الخوف ولا نتيجة القلق، فقد جاء في الحديث الشريف: «إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها»، فلا القلق يزيد مالًا، ولا الخوف يفتح بابًا مغلقًا، بل إن الاطمئنان هو الذي يمنح القلب قوة السعي وثبات الخطوة.
وقد قالت العرب قديمًا: “الدهر يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك”، وهي حكمة تختصر تقلبات الحياة بين عافية وابتلاء، وبين فرحٍ وانكسار، فلا دوام لسرورٍ مطلق، ولا استمرار لحزنٍ أبدي، وإنما هي موجات تتعاقب، والبحر يبقى في اتساعه مهما تعاقب عليه المد والجزر.
ليس السؤال إذن: هل سأمرض؟ فالجسد بطبيعته عرضةٌ للضعف، وإنما السؤال الأصدق: هل أملك قلبًا صابرًا إن مرضت، ونفسًا راضية إن ابتُليت، وعقلًا حكيمًا إن واجهت مشكلة؟ فالحياة لا تعِد أحدًا بعافيةٍ دائمة، لكنها تمنح كل إنسان فرصة أن يختار موقفه من الأحداث.
ويتكرر السؤال في أعماق النفس: ماذا بقي لي من حياتي؟ غير أن السؤال الأجدر أن يُطرح هو: كيف سأعيش ما بقي؟ فالعمر لا يُقاس بطوله، بل ببركته، ولا تُخلّد الإنسان سنواته، بل أثره في الناس، وكم من أعوامٍ مرّت بلا معنى، وكم من أيامٍ قليلة صنعت ذكرى لا تمحى.
إن القلق لن يمدّ عمرًا، ولن يوسّع رزقًا، ولن يمنع قدرًا، لكنه قد يسرق جمال الحاضر ويطفئ نور اللحظة، أما اليقين فيمنح القلب سكينة، ويجعل الخطوة ثابتة، ويعلّم الإنسان أن يعمل في حدود الممكن، ويُسلّم ما وراء ذلك إلى حكمة الله.
فليكن حديثنا مع أنفسنا مجلس إصلاح لا ساحة محاكمة، ولنجعل من أسئلتنا جسورًا إلى النضج لا متاريس للخوف، ولنمضِ في الحياة بقلبٍ مطمئن وعقلٍ متزن وروحٍ تؤمن أن ما كُتب لها سيأتيها، وأن ما مضى كان درسًا، وأن ما بقي فرصة تستحق أن تُعاش بوعيٍ ورضا.
----------
الإعلامي حامد الطلحي الهذلي
كاتب صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي والفكري