سُفرة الإفطار… ذاكرةُ بيتٍ وصوتُ من غابوا
حين يقترب أذان المغرب في رمضان، لا تتهيأ البيوت للطعام فقط، بل تستعدُّ الذاكرة لأن تفتح دفاترها القديمة.
سفرة الإفطار ليست مائدةً تُرصّ عليها الصحون، بل مسرحًا صغيرًا تتعانق فيه الحكايات، وتتقاطع فيه الأزمنة؛ حاضرٌ يجلس معنا، وماضٍ يلوّح من بعيد.
أتأمل السفرة اليوم، فأرى فيها وجوهًا لم تعد تجلس كما كانت.
ذاك المقعد الذي كان يشغله كبير العائلة، وهو يرفع يديه بالدعاء قبل أن تمتد الأيدي إلى التمر، ما زال مكانه محفوظًا في القلب، وإن تغيّر شاغله في الظاهر.
وتلك الأم التي كانت توزّع الطعام بعينٍ يقظة وقلبٍ ممتلئ، صارت صورتها اليوم دعاءً يتردد بيننا كلما قيل: “اللهم تقبل منا”.
في طفولتنا، كنا ننتظر صوت مدفع الإفطار قبل كل شيء.
كنا نصمت فجأةً إذا دوّى في الأفق، كأن السماء نفسها أعلنت انتهاء المشقة وبداية الفرح.
ثم يأتي أذان المغرب مكمّلًا المشهد، فينساب صوته عبر النوافذ، فنشعر أن البيوت كلها صارت بيتًا واحدًا، وأن الحيّ بأكمله يفطر في لحظةٍ واحدة.
كان لذلك الصوت رهبةٌ لا تشبهها رهبة، وبهجةٌ لا يضاهيها شيء.
لم تكن موائدنا آنذاك عامرةً بالأصناف كما اليوم، لكنها كانت ممتلئةً بالرضا.
كان الضوء خافتًا، والحديث بسيطًا، والضحكة صادقة. نفطر على تمرٍ وماء، فنشعر أن الدنيا بأسرها قد اتسعت لنا.
اليوم، كبرت السفرة… وكبرنا معها.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: تلك الرعشة الخفية في اللحظة التي يصدح فيها الأذان.
غير أن بيننا الآن من افتقدناهم؛ من كانوا يملأون المكان حضورًا، فإذا بهم يملأون القلب غيابًا.
ننظر إلى موضعهم، فنبتسم بحنين، ثم نهمس في سرّنا:
اللهم ارحمهم كما جمعوا شملنا، واجعل موائدهم في الجنة عامرةً برضاك.
وهناك من لم يغب تحت التراب، لكنه غاب عن السفرة بعجزٍ أنهك الجسد.
أبٌ كان يتصدر المجلس، فأصبح يحتاج من يسنده إلى مقعده.
أمٌّ كانت تدور حول المائدة، فأصبحت تجلس بصمتٍ يختصر سنواتٍ من العطاء.
نراهم اليوم بعين الشفقة الممزوجة بالامتنان، وندرك أن الزمن لا يسلبنا الأشخاص دفعةً واحدة، بل يعلّمنا تدريجيًا كيف نعتاد الفقد.
سفرة الإفطار تعلّمنا درسًا اجتماعيًا عميقًا:
أن الاجتماع نعمةٌ مؤقتة، وأن اللحظة التي نعيشها الآن قد تصبح ذكرىً نبكيها غدًا.
فلا تؤجل كلمة طيبة، ولا تحرم مائدةً من ابتسامتك، ولا تنشغل بهاتفك عن عينٍ تنتظر منك حديثًا.
رمضان يعيد ترتيب المشاعر قبل أن يرتب المواعيد.
يجعلنا نلتفت إلى أن الأسرة ليست عادةً يومية، بل نعمةٌ تحتاج إلى شكر.
وأن الكرسي الفارغ أبلغ من ألف خطبة، وأن الدعاء لمن غابوا أصدق من كل كلام.
وهكذا، تبقى سفرة الإفطار أكثر من طعام؛
هي ذاكرةُ بيت، وصوتُ مدفعٍ ما زال يتردد في أعماقنا، وسجلُّ محبة، ومرآةُ أعمارٍ تمضي بنا نحو حقيقةٍ واحدة:
أننا سنغيب يومًا كما غابوا، وسيجلس من بعدنا حول المائدة، ويذكرنا بدعوةٍ صادقة.
فلنُحسن ما بيننا قبل أن نصبح ذكرى،
ولنجعل موائدنا عامرةً بالرحمة قبل الطعام، وبالبر قبل الكلام.
رحم الله موتانا وموتى المسلمين أجمعين، وبارك في أحيائنا، وجمعنا بهم في جناتٍ لا فراق بعدها
سفرة الإفطار ليست مائدةً تُرصّ عليها الصحون، بل مسرحًا صغيرًا تتعانق فيه الحكايات، وتتقاطع فيه الأزمنة؛ حاضرٌ يجلس معنا، وماضٍ يلوّح من بعيد.
أتأمل السفرة اليوم، فأرى فيها وجوهًا لم تعد تجلس كما كانت.
ذاك المقعد الذي كان يشغله كبير العائلة، وهو يرفع يديه بالدعاء قبل أن تمتد الأيدي إلى التمر، ما زال مكانه محفوظًا في القلب، وإن تغيّر شاغله في الظاهر.
وتلك الأم التي كانت توزّع الطعام بعينٍ يقظة وقلبٍ ممتلئ، صارت صورتها اليوم دعاءً يتردد بيننا كلما قيل: “اللهم تقبل منا”.
في طفولتنا، كنا ننتظر صوت مدفع الإفطار قبل كل شيء.
كنا نصمت فجأةً إذا دوّى في الأفق، كأن السماء نفسها أعلنت انتهاء المشقة وبداية الفرح.
ثم يأتي أذان المغرب مكمّلًا المشهد، فينساب صوته عبر النوافذ، فنشعر أن البيوت كلها صارت بيتًا واحدًا، وأن الحيّ بأكمله يفطر في لحظةٍ واحدة.
كان لذلك الصوت رهبةٌ لا تشبهها رهبة، وبهجةٌ لا يضاهيها شيء.
لم تكن موائدنا آنذاك عامرةً بالأصناف كما اليوم، لكنها كانت ممتلئةً بالرضا.
كان الضوء خافتًا، والحديث بسيطًا، والضحكة صادقة. نفطر على تمرٍ وماء، فنشعر أن الدنيا بأسرها قد اتسعت لنا.
اليوم، كبرت السفرة… وكبرنا معها.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: تلك الرعشة الخفية في اللحظة التي يصدح فيها الأذان.
غير أن بيننا الآن من افتقدناهم؛ من كانوا يملأون المكان حضورًا، فإذا بهم يملأون القلب غيابًا.
ننظر إلى موضعهم، فنبتسم بحنين، ثم نهمس في سرّنا:
اللهم ارحمهم كما جمعوا شملنا، واجعل موائدهم في الجنة عامرةً برضاك.
وهناك من لم يغب تحت التراب، لكنه غاب عن السفرة بعجزٍ أنهك الجسد.
أبٌ كان يتصدر المجلس، فأصبح يحتاج من يسنده إلى مقعده.
أمٌّ كانت تدور حول المائدة، فأصبحت تجلس بصمتٍ يختصر سنواتٍ من العطاء.
نراهم اليوم بعين الشفقة الممزوجة بالامتنان، وندرك أن الزمن لا يسلبنا الأشخاص دفعةً واحدة، بل يعلّمنا تدريجيًا كيف نعتاد الفقد.
سفرة الإفطار تعلّمنا درسًا اجتماعيًا عميقًا:
أن الاجتماع نعمةٌ مؤقتة، وأن اللحظة التي نعيشها الآن قد تصبح ذكرىً نبكيها غدًا.
فلا تؤجل كلمة طيبة، ولا تحرم مائدةً من ابتسامتك، ولا تنشغل بهاتفك عن عينٍ تنتظر منك حديثًا.
رمضان يعيد ترتيب المشاعر قبل أن يرتب المواعيد.
يجعلنا نلتفت إلى أن الأسرة ليست عادةً يومية، بل نعمةٌ تحتاج إلى شكر.
وأن الكرسي الفارغ أبلغ من ألف خطبة، وأن الدعاء لمن غابوا أصدق من كل كلام.
وهكذا، تبقى سفرة الإفطار أكثر من طعام؛
هي ذاكرةُ بيت، وصوتُ مدفعٍ ما زال يتردد في أعماقنا، وسجلُّ محبة، ومرآةُ أعمارٍ تمضي بنا نحو حقيقةٍ واحدة:
أننا سنغيب يومًا كما غابوا، وسيجلس من بعدنا حول المائدة، ويذكرنا بدعوةٍ صادقة.
فلنُحسن ما بيننا قبل أن نصبح ذكرى،
ولنجعل موائدنا عامرةً بالرحمة قبل الطعام، وبالبر قبل الكلام.
رحم الله موتانا وموتى المسلمين أجمعين، وبارك في أحيائنا، وجمعنا بهم في جناتٍ لا فراق بعدها