العطاء بين الفضل والفرض
العطاء قيمة سامية قامت عليها الاديان واستقامت بها المجتمعات ونهضت بها النفوس، هو فعل يتجاوز حدود المادة ليصل الى المعنى، ويتجاوز حدود المصلحة ليصل الى الرحمة، بالعطاء تستمر العلاقات وتثبت المواقف وتخف وطأة الحياة على القلوب المثقلة، لكنه في بعض الاحيان يفقد نقاءه حين يتحول في نظر البعض من فضيلة اختيارية الى واجب دائم، ومن مبادرة طوعية الى التزام مفروض لا يقبل التراجع.
حين يعطي الانسان بدافع المحبة او الايمان او الاحساس بالمسؤولية، يكون عطاؤه امتدادا لروحه، يشعر بالرضا وهو يقدم، ويجد في البذل راحة لا يعرفها من لم يجرب معنى الانفاق من قلب مطمئن. غير ان هذا المعنى الراقي قد يتشوه عندما يعتاد الاخرون على عطائه حتى يظنوه حقا مكتسبا، هنا يبدأ الخلل الصامت، يتحول الشكر الى توقع، ويتحول الامتنان الى مطالبة مستمرة، وكأن المعطاء قد وقع عقدا أبديا لا يملك فسخه.
المشكلة لا تكمن في الاحتياج ذاته، فالاحتياج فطرة انسانية، ولا في طلب العون عند الضيق، فذلك حق مشروع، إنما تكمن في الذهنية التي ترى في عطاء الاخرين التزامًا ثابتا لا يسقط، وتغفل ان لكل إنسان طاقة محدودة وظروفا متغيرة وهموما قد لا يبوح بها، فليس كل صامت مرتاحا، ولا كل معطاء قادرا على الاستمرار الى ما لا نهاية.
هناك من يحمل صفات القوة والكرم والمسؤولية، فيجد نفسه محاطا بتوقعات دائمة، يطلب منه الدعم لانه اعتاد ان يدعم، ويطلب منه الحل لانه اعتاد ان يحل، ويطلب منه الصبر لانه اعتاد ان يصبر. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه التوقعات حتى تصبح عبئا ثقيلا لا يراه الا صاحبه، يبتسم وهو يعطي، لكنه في داخله قد يحتاج لمن يسأله يوما كيف حالك انت.
العطاء حين يكون نابعا من حرية داخلية يزدهر ويثمر، اما حين يكون مدفوعا بالخوف من اللوم او الحرص على الصورة الاجتماعية او الهروب من تأنيب الضمير، فانه يفقد روحه، يصبح سلوكا شكليا يفتقر إلى الدفء، وتتحول اليد التي كانت تمتد بحب الى يد تؤدي واجبا لا تشعر به، والفرق بين الحالتين دقيق في الظاهر عميق في الجوهر.
من الظلم ان نحصر مسؤولية العطاء في شخص واحد داخل الاسرة او المؤسسة او المجتمع، فالتوازن لا يتحقق إلا حين يتشارك الجميع في حمل المسؤولية، حين يعطي القادر اليوم، ويعطي غيره غدا، وتبقى روح التعاون حية لا تستنزف فردا بعينه، فالمجتمع الصحي لا يبنى على تضحية مستمرة من طرف واحد، بل على تبادل واع يشعر فيه كل فرد انه معط ومتلقي في آن واحد.
ولعل من الحكمة ايضا ان نتعلم ثقافة التقدير، فالشكر ليس كلمة عابرة، بل إعتراف بقيمة ما يقدم، وحفظ الجميل لا يعني الارتهان لصاحبه، بل احترام جهده وعدم استسهال عطائه، عندما يشعر المعطاء أن عطائه مقدر، يزداد رغبة في الاستمرار، أما حين يقابل عطاؤه بالتجاهل أو الاعتياد، يتسلل إليه التعب دون ان يلحظه احد.
إن إعادة النظر في مفهوم العطاء ضرورة إنسانية، ليس المطلوب ان نقلل من شأنه او نغلق ابواب الخير، بل ان نصونه من الاستنزاف، ان ندرك ان للمعطاء حقا في الراحة، وحقا في الاعتذار، وحقا في ان يقول لا دون ان يتهم بالقسوة او التقصير. فكما ان للاخرين حقا في طلب العون، للمعطاء حق في حفظ طاقته وكرامته.
العطاء في اجمل صوره علاقة متوازنة بين قلبين، لا معادلة حسابية بين طرفين، هو شعور يفيض حين يجد مساحة آمنة، وينحسر حين يثقل بالتوقعات. وما بين الفضل والفرض مسافة يصنعها الوعي، فان احسنا الفهم بقي العطاء نورا يضيء حياتنا، وان اسأنا التعامل معه تحول الى حمل يرهق من يحمله.
ويبقى العطاء قيمة لا تزول، لكن قيمته الحقيقية تكمن في حريته. فحين يكون اختيارا يصبح بركة، وحين يكون اجبارا يصبح عبئا، وما اجمل ان نعطي لاننا نريد، لا لاننا مضطرون، وان نشكر لاننا نقدر، لا لاننا اعتدنا، هكذا فقط يبقى العطاء فضيلة تحفظ كرامة المعطي واحتياج المتلقي في آن واحد.
حين يعطي الانسان بدافع المحبة او الايمان او الاحساس بالمسؤولية، يكون عطاؤه امتدادا لروحه، يشعر بالرضا وهو يقدم، ويجد في البذل راحة لا يعرفها من لم يجرب معنى الانفاق من قلب مطمئن. غير ان هذا المعنى الراقي قد يتشوه عندما يعتاد الاخرون على عطائه حتى يظنوه حقا مكتسبا، هنا يبدأ الخلل الصامت، يتحول الشكر الى توقع، ويتحول الامتنان الى مطالبة مستمرة، وكأن المعطاء قد وقع عقدا أبديا لا يملك فسخه.
المشكلة لا تكمن في الاحتياج ذاته، فالاحتياج فطرة انسانية، ولا في طلب العون عند الضيق، فذلك حق مشروع، إنما تكمن في الذهنية التي ترى في عطاء الاخرين التزامًا ثابتا لا يسقط، وتغفل ان لكل إنسان طاقة محدودة وظروفا متغيرة وهموما قد لا يبوح بها، فليس كل صامت مرتاحا، ولا كل معطاء قادرا على الاستمرار الى ما لا نهاية.
هناك من يحمل صفات القوة والكرم والمسؤولية، فيجد نفسه محاطا بتوقعات دائمة، يطلب منه الدعم لانه اعتاد ان يدعم، ويطلب منه الحل لانه اعتاد ان يحل، ويطلب منه الصبر لانه اعتاد ان يصبر. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه التوقعات حتى تصبح عبئا ثقيلا لا يراه الا صاحبه، يبتسم وهو يعطي، لكنه في داخله قد يحتاج لمن يسأله يوما كيف حالك انت.
العطاء حين يكون نابعا من حرية داخلية يزدهر ويثمر، اما حين يكون مدفوعا بالخوف من اللوم او الحرص على الصورة الاجتماعية او الهروب من تأنيب الضمير، فانه يفقد روحه، يصبح سلوكا شكليا يفتقر إلى الدفء، وتتحول اليد التي كانت تمتد بحب الى يد تؤدي واجبا لا تشعر به، والفرق بين الحالتين دقيق في الظاهر عميق في الجوهر.
من الظلم ان نحصر مسؤولية العطاء في شخص واحد داخل الاسرة او المؤسسة او المجتمع، فالتوازن لا يتحقق إلا حين يتشارك الجميع في حمل المسؤولية، حين يعطي القادر اليوم، ويعطي غيره غدا، وتبقى روح التعاون حية لا تستنزف فردا بعينه، فالمجتمع الصحي لا يبنى على تضحية مستمرة من طرف واحد، بل على تبادل واع يشعر فيه كل فرد انه معط ومتلقي في آن واحد.
ولعل من الحكمة ايضا ان نتعلم ثقافة التقدير، فالشكر ليس كلمة عابرة، بل إعتراف بقيمة ما يقدم، وحفظ الجميل لا يعني الارتهان لصاحبه، بل احترام جهده وعدم استسهال عطائه، عندما يشعر المعطاء أن عطائه مقدر، يزداد رغبة في الاستمرار، أما حين يقابل عطاؤه بالتجاهل أو الاعتياد، يتسلل إليه التعب دون ان يلحظه احد.
إن إعادة النظر في مفهوم العطاء ضرورة إنسانية، ليس المطلوب ان نقلل من شأنه او نغلق ابواب الخير، بل ان نصونه من الاستنزاف، ان ندرك ان للمعطاء حقا في الراحة، وحقا في الاعتذار، وحقا في ان يقول لا دون ان يتهم بالقسوة او التقصير. فكما ان للاخرين حقا في طلب العون، للمعطاء حق في حفظ طاقته وكرامته.
العطاء في اجمل صوره علاقة متوازنة بين قلبين، لا معادلة حسابية بين طرفين، هو شعور يفيض حين يجد مساحة آمنة، وينحسر حين يثقل بالتوقعات. وما بين الفضل والفرض مسافة يصنعها الوعي، فان احسنا الفهم بقي العطاء نورا يضيء حياتنا، وان اسأنا التعامل معه تحول الى حمل يرهق من يحمله.
ويبقى العطاء قيمة لا تزول، لكن قيمته الحقيقية تكمن في حريته. فحين يكون اختيارا يصبح بركة، وحين يكون اجبارا يصبح عبئا، وما اجمل ان نعطي لاننا نريد، لا لاننا مضطرون، وان نشكر لاننا نقدر، لا لاننا اعتدنا، هكذا فقط يبقى العطاء فضيلة تحفظ كرامة المعطي واحتياج المتلقي في آن واحد.