المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الثلاثاء 27 يناير 2026
م.علي السليم- جدة
م.علي السليم- جدة

من يملك المشهد لا يلاحقه: كيف تُصنع القيادة في زمن الضجيج



في الأقاليم التي تتكاثر فيها الأزمات وتتشابك فيها الطموحات، لا تُقاس القيادة بكثافة الظهور ولا بسرعة الحركة، بل بعمق الرؤية والقدرة على ضبط الإيقاع العام للمشهد. فالتاريخ لا يُكافئ من يعلو صوته أولًا، بل من يُحسن قراءة اللحظة، ويتحمّل كلفة التوازن، ويعرف متى يتقدّم… ومتى يترك الزمن يعمل لصالحه.

تُظهر التجارب الإقليمية أن ثمّة فارقًا جوهريًا بين من يتحرّك داخل المشهد ومن يملكه. الأول يراكم حضورًا آنيًا، ويبدّل مواقعه سريعًا، فيما الثاني يفرض إيقاعه بهدوء، مستندًا إلى شرعية، وثبات نهج، وثقة بمكانة لا تحتاج إلى استعراض. وفي زمن الضجيج، يصبح الصمت المدروس فعلًا سياسيًا بحد ذاته.

يبرز في هذا السياق نموذج قيادةٍ راشدةٍ واثقةٍ بمكانتها، لا تُستدرج إلى ردود الفعل، ولا تُغريها الأدوار المؤقتة. قيادة تقرأ الإقليم بوصفه منظومة مترابطة لا ساحات متفرقة، فتُمسك بخيوط التوازن دون ضجيج، وتتعامل مع الأمن والاستقرار باعتبارهما مسؤولية تاريخية لا مجال للمقامرة بها. هذا النهج لا يُدار بالمناورة، بل بالبناء؛ ولا يُحفظ بالاستعراض، بل بدعم الشرعية، وحماية وحدة الدول، وصيانة المجتمعات من التفكك.

في المقابل، تتبدّى مقاربة أخرى تعتمد توسيع النفوذ بأدوات ناعمة، تتخذ من الاستثمار واجهة، ومن التحركات المتشعبة وسيلة لإعادة تشكيل التأثير. غير أن هذا المسار، حين ينفصل عن منطق الدولة ومؤسساتها، يتحوّل من تنمية إلى نفوذ، ومن شراكة إلى تدخل، فتُدار الأزمات بدل حلّها، وتُختزل المجتمعات في مجموعات، وتُستنزف المقدرات في سباق قصير الأجل. وغالبًا ما يُقرأ هذا النهج، في الأوساط التحليلية، بوصفه سعيًا لفرض حضور قيادي عبر إرباك المشهد لا تهدئته.

ويكشف اختلاف النهجين عن فهمين متباينين للقيادة الإقليمية. فهمٌ يرى الاستقرار خيارًا استراتيجيًا يتطلّب توازنًا دقيقًا بين القوة والحكمة، وبين المبادرة وضبط التوقيت. وفهمٌ آخر يراهن على كثافة الحركة وتعدد الساحات، معتقدًا أن اتساع الحضور يعوّض غياب العمق، وأن إدارة الأزمات يمكن أن تحلّ محلّ إنهائها.

في هذا المشهد، قد يُغري الغرور بعض الفاعلين؛ فيتحرّكون بدهاءٍ يتهيّأ لهم أنه قوة، ويتوهّمون أنهم انتقلوا من موقع المناورة إلى موقع السيطرة. غير أن الثقل الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض. فبينما ينشغل البعض بإثبات الحضور، يظل الفاعل الأثقل حاضرًا؛ يملك المشهد، ويُسيطر عليه بمكانته الحقيقية، ويترك الزمن كفيلًا بكشف الفوارق بين الضجيج والتأثير.

التاريخ بدوره لا يُكتب بالخطاب وحده. فثمة من يكتفي بصياغة روايته الخاصة، وثمة من يصنع التاريخ بالفعل عبر قرارات تُختبر بمرور الزمن، وثمّة—وهو الأخطر—من يلوّث السجل حين تتحوّل السياسة إلى مناكفة، وتُستبدل الأخوّة بالتنافس الصفري، فيبقى الأثر وصمة يصعب محوها بين الإخوة والأشقاء. وعندما تهدأ العواصف، لا يبقى إلا ما صُنِع بالفعل، لا ما قيل في ذروة الضجيج.

وتُظهر الوقائع أن الدول التي تحظى بالاحترام الدولي هي تلك التي تدعم الحكومات الشرعية، وتحفظ وحدة الدول، وتضع مصالح الشعوب في الصدارة، ولا تتخذ من الاستثمار بوابة نفوذ سياسي يُعمّق الانقسام. فالاستقرار لا يُشترى، والتنمية لا تُفرض من خارج الدولة، والنفوذ المستدام لا يُبنى على إدارة الأزمات، بل على إنهائها.

الخلاصة أن الإقليم لا تحكمه كثافة الحركة، بل رصانة القرار. ولا يقوده من يلاحق المشهد، بل من يملكه. وعندما يهدأ الضجيج، يتبيّن الفرق بوضوح: من قرأ المشهد فصنع التاريخ، ومن تحرّك داخله فشوّه صفحاته.

 0  0  806