المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الخميس 15 يناير 2026
الكاتبة إلهام سيد الأنصاري
الكاتبة إلهام سيد الأنصاري

عن الكاتبة إلهام سيد الأنصاري

مؤلفة كتاب : ارواح لم تلتق بعد كاتبة واعلامية مع صحيفة غرب الإخبارية والفريق الإعلامي السعودي.. مترجمة 5 لغات كاتبة مقالات ومقدمة لقاءات صحفية

الأب… حيث يبدأ الأمان ولا ينتهي

يُقال إن الرجال يتشابهون في ملامح الرجولة وصفاتها العامة، غير أنّ التجربة الإنسانية تُثبت أن بينهم رجلًا واحدًا يظل استثناءً لا يُقاس بغيره، ولا يُقارن بسواه. ذلك الرجل هو الأب.
فالأب ليس مجرد حضورٍ في الحياة، بل هو معنى متكامل للأمان، وصورة أولى للقوة الممزوجة بالرحمة. هو ذاك الذي يجعل العالم أقل قسوة، والطفولة أكثر طمأنينة، والخوف فكرة عابرة لا تقوى على الاستقرار في القلب.
أتذكر والدي حين كان يصحبني إلى التسوق، لا باعتباره واجبًا، بل كرحلة صغيرة يختبر فيها سعادتي. كان يسألني دائمًا:
هل أنتِ سعيدة؟
هل حصلتِ على ما تريدين؟
هل ترغبين بشيء آخر قبل العودة إلى المنزل؟
لم تكن تلك الأسئلة عابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن وجوده يعني الاكتفاء، وأن الحياة ما دامت تسير بجانبه فهي بخير. ثم يبتسم قائلًا عبارته التي لا تُنسى:
والدك ما زال على قيد الحياة، فقط أخبريني بما تريدين.
في تلك اللحظات، لم يكن المال هو المقصود، بل الإحساس العميق بأنني لست وحدي، وأن هناك من يحمل عني ثقل الحياة دون أن يُشعرني به. كان يضع محفظته في يدي، مهما قلّ ما فيها، ويقول بثقةٍ تشبه الإيمان:
خذي ما تشائين، فأنتِ أغلى ما أملك.
لم يُرني والدي ضعفه يومًا، ولم يُثقل طفولتي بهمومه، رغم قسوة الظروف وضيق الحال أحيانًا. لم يكن يملك حسابًا بنكيًا، ولا يعرف دهاليز البطاقات الحديثة، لكنه كان يعرف جيدًا كيف يكون ثريًا في قلوب بناته، وكيف يصنع لهن شعورًا لا يُشترى: شعور الأمان.
علّمنا أن عزة النفس ليست ترفًا، وأن حب العلم طريق نجاة، وأن العمل والمثابرة كرامة لا تُؤجَّل. كان قدوة لا تُلقي الخطب، بل تمارس المعنى بصمت.
وحين أتأمل اليوم معنى الأمان، أدرك أنه ليس غياب الخوف، بل وجود من يجعل الخوف أضعف منك. هو أن تثق أنك لن تُترك، ولن تُخذل، ولن تُهان، ولن تسقط مهما اشتدت العواصف، لأن هناك ظلًا ثابتًا يحميك.
لهذا، حين يُسأل الإنسان: أي الرجال تختار بعد أبيك؟
تأتي الإجابة صامتة لكنها واضحة: لا أحد يشبهه.
فليس هناك فارسٌ أكثر أمانًا من الأب،
ولا بطلٌ يضاهي حضوره،
ولا حبٌّ أنقى من ذاك الذي يبدأ منه… ولا ينتهي.
 0  0  1.9K