حين نختار الصمت… كرامة لا يراها إلا من ذاق الألم
في ضيق الحال، حين تتكاثف الأيام بثقلها، تصبح الشكوى عملاً مغريًا، فالإنسان بطبعه يبحث عمن يسمعه، عمن يخفف عنه بعض وجع الطريق، لكن هناك من يختار الصمت، لا ضعفًا ولا إنكارًا للألم، بل احترامًا لذاته، وإيمانًا بأن بعض الأوجاع لا تُروى للناس.
عدم الشكوى للناس ليس ادعاء للقوة، ولا قسوة على النفس، بل هو وعي عميق بأن القلوب متفاوتة، وأن ما نبوح به قد يتحول من وجعٍ عابر إلى حديثٍ دائم على ألسنة لا تشعر، فليس كل من يسمع يُنصت، وليس كل من يُنصت يفهم، وليس كل من يفهم يكتم.
في ضيق الحال تتعرى النوايا بعض الناس يشفق، وبعضهم يشمت، وبعضهم يقيس وجعك بميزان تجربته فيظلمك دون قصد، لذلك يختار الصامتون أن يجعلوا شكواهم إلى الله، لا لأنهم يرفضون البشر، بل لأنهم أدركوا أن الله وحده يسمع دون حكم، ويعطي دون مقابل، ويجبر دون أن يجرح الكرامة.
وجع الأيام لا يُقاس بالكلمات، فهناك آلام لا تُشفى بالحديث عنها، بل بالصبر عليها، وبالعمل رغم ثقلها، وبالاستمرار رغم التعب، الصامت في ضيق حاله لا يعني أنه بخير، بل يعني أنه يتألم بعمق، لكنه تعلم أن بعض المعارك تُخاض في الداخل، وبعض الدموع لا يليق بها أن تُرى.
عدم الشكوى لا يلغي الحاجة للمساندة، لكنه يضعها في موضعها الصحيح، في الدعاء الصادق، وفي الثقة بأن الفرج يأتي في وقته، لا في وقت الكلام، هو اختيار ناضج بأن تكون كرامتك أعلى من لحظة ضعف، وأن يكون صبرك شهادة على قوتك لا على صمتك فقط.
ليس الصامت أقل ألمًا، لكنه أكثر حكمة، يعرف أن الأيام مهما اشتدت لا تدوم، وأن من صبر دون أن يبتذل وجعه للناس، كافأه الله بفرجٍ لا يحتاج أن يشرحه لأحد.