المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الجمعة 2 يناير 2026
م.علي السليم- جدة
م.علي السليم- جدة

الأقنعة تسقط: نفوذٌ يُدار بالعقيدة والمال والإعلام… ونموذج دولة لا يُخترق



في عالم السياسة، لا يُقاس الخطر بما يُعلن، بل بما يُدار في الخفاء. ولا تُقرأ النوايا من حرارة الشعارات، بل من مسارات الفعل ونتائجه المتراكمة. فكثيرٌ مما يُقدَّم للمشهد الإقليمي بوصفه دعمًا أو شراكة أو حماية، يخفي في جوهره مشاريع نفوذ طويلة الأمد، تُسوَّق بواجهة إنسانية، بينما تُدار بحسابات تتجاوز حدود اللحظة وتعيد تشكيل التوازنات من الداخل. وهنا تتجلى المفارقة القاسية: ظاهرٌ فيه الرحمة، وباطنٌ ينتهي إلى العذاب.

على امتداد المشهد الإقليمي، برزت ثلاثة أوجه من الأذرع العابرة، صاغتها دول تعاني هشاشة في بنيتها السياسية، فاختارت تصدير أزماتها إلى الخارج، وبناء نفوذ بديل خارج إطار الدولة الوطنية. هذه الأوجه، وإن اختلفت أدواتها وخطاباتها، تلتقي عند هدفٍ واحد: التأثير في القرار، وتطويع الجغرافيا، وإعادة تشكيل الإقليم وفق مصالح ضيقة، مهما تبدّلت الأقنعة.

الوجه الأول اتكأ على الأذرع العقائدية، حيث تُبنى الولاءات الطائفية وما يتفرع عنها من انقسامات مذهبية وهويات فرعية مصطنعة على حساب الهوية الوطنية الجامعة. في هذا المسار يُستدعى التاريخ المجروح، وتُستثمر الخلافات، وتُقدَّم الوصاية في صورة حماية أو نصرة، بينما المحصلة إضعاف مؤسسات الدولة وتفكيك بنيتها وإطالة أمد الاضطراب باسم شعارات كبرى تخفي أهدافًا أبعد.

الوجه الثاني اتخذ الاقتصاد مدخلًا للنفوذ. أذرع تدخل من بوابات الاستثمار والإعمار والموانئ، بلغة ناعمة عن الشراكات والتنمية. غير أن الاستثمار، حين يتحول من رافعة تنموية إلى أداة اصطفاف، ومن تعاون متكافئ إلى نفوذ موجَّه، يصبح هيمنة هادئة تُعيد تشكيل القرار من الداخل وتقيّد استقلاله.

أما الوجه الثالث فكان إعلاميًا بامتياز؛ أذرع عابرة للحدود تعيد صياغة الوعي، وتخلط بين الخبر والموقف، وبين المعلومة والرسالة. في هذا النموذج لا تُحتل الأرض، بل تُحتل السردية؛ تُدار المعارك عبر العناوين والصور قبل أن تُدار على الأرض، ويُعاد تعريف الصديق والخصم وفق أجندات مُسبقة لا وفق حقائق الواقع.

غير أن هذه الأوجه الثلاثة باتت اليوم تشهد انحسارًا واضحًا، بل تحوّل كثيرٌ منها إلى وبالٍ وخسرانٍ مبين على من تبنّاها ودعمها وراهن عليها. فالمشاريع التي بُنيت على الالتفاف لا على الشرعية، وعلى المصالح المؤقتة لا على العقد الوطني، اصطدمت بوعيٍ متصاعد وبسنن التاريخ؛ ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء—بعد توفيق الله—ثمرة وعيٍ سعودي وقرار دولة أثبتت مكانتها بالفعل لا بالادعاء.

وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز نهجٌ مغاير، واضح المعالم، راسخ الأسس، تمثله المملكة العربية السعودية. نهجٌ اختار منذ تأسيسه أن يكون مع الدولة لا فوقها، ومع الشرعية لا خارجها، ومع الاستقرار لا على أنقاضه. فالمملكة لا تؤمن بالأذرع الموازية، ولا تراهن على الفوضى، ولا توظف العقيدة أو المال أو الإعلام كأدوات اختراق؛ بل تتعامل حصريًا عبر القنوات الرسمية، وتدعم الحكومات والكيانات الشرعية، وتُمكّن مؤسسات الدولة، وتُعلي من قيمة السيادة الوطنية.

هذا المسار ينبع من مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الأمة العربية أو الإسلامية أو حتى العالمية؛ دورٌ يقوم على جمع الكلمة، وتهدئة الصراعات، ودعم الحلول السياسية، وتقديم العون الإنساني والتنموي دون اشتراطات خفية أو أجندات مضمرة، واضعًا الإنسان وكرامته وأمنه في صدارة الأولويات.

ومن هذا الإرث المتراكم، يتكرّس النهج السعودي السياسي والدبلوماسي، بل والأمني، كنموذج يُقرأ عالميًا لا إقليميًا فحسب: حكمة في اتخاذ القرار، وضبط نفس في إدارة الأزمات، وتقديم للاستقرار على المغامرة، وللحوار على الصدام، مع جاهزية كاملة لحماية الأمن وصون السيادة متى اقتضت الضرورة.

ولهذا يدرك أصحاب القوى العالمية، وحتى بعض الدول الإقليمية، أن لا مجال للمغامرة مع المملكة، ولا موضع للخوف منها؛ فهم يعرفون ثقلها التاريخي والسياسي والاقتصادي، ويعرفون قبل ذلك التحام شعبها بقيادتها—مصدر قوة ناعمة وصلبة في آنٍ واحد، ومبعث فخرٍ وعزةٍ ومكانةٍ لا تُستعار ولا تُصنَع، بل تُبنى عبر الثقة والشرعية والتاريخ.

الخلاصة: إن الفارق لا يكمن في حجم الحضور، بل في طبيعته؛ حضورٌ يبني ولا يخترق، يدعم ولا يستبدل، ويحمي الدولة دون أن ينازعها. وفي زمن تتكاثر فيه الأقنعة وتختلط فيه الشعارات بالغايات، يبقى الوعي بطبيعة الأدوار، والحذر من العطايا المشروطة، شرطًا لصون الدول وبناء مستقبل لا يُدار من خلف الأكمة، ولا يُكتب بيدٍ تخفي غير ما تُظهر.

 0  0  2.5K