المؤسس

رأسلنا

المبوبة

الخصوصية

عـن غـــــرب

  • ×
الإثنين 12 يناير 2026
حامدالطلحي - الطائف
حامدالطلحي - الطائف

أنا حامد

الأنا بين الوعي والغرور… قراءة في معنى الاعتراف بالذات
ليس من الهيّن أن تُفتتح مقالة بكلمةٍ واحدة؛ كلمةٍ يتوجّس منها كثيرون، ويُسيء فهمها آخرون، ويُسارع بعضهم إلى محاكمة قائلها قبل أن يبلغوا مقصده. غير أنّ بعض الكلمات لا تُقال اعتذارًا، بل تُقال وعيًا.
أنا حامد.
لا أنطقها لأنني أفضل من غيري، ولا أجعلها سلّمًا أتسلّق به على أكتاف الآخرين، ولا أتخذها درعًا للتفاخر أو ستارًا للادّعاء، بل أقولها لأن اسمي هويتي، ولأن الاعتراف بالذات ليس خطيئة، ولأن الصمت الدائم ليس تواضعًا كما يُصوَّر.
كثيرون ينزعجون حين يسمعون: أنا فعلت، أنا اجتهدت، أنا أستطيع، أنا وصلت، كأن “الأنا” تحوّلت إلى تهمة جاهزة، وكأن النجاح يجب أن يُخفى، والإنجاز ينبغي أن يُنسب للظروف، والتعب لا يُذكر إلا همسًا، وكأن الاعتراف بالجهد جريمة غير معلنة.
الأنا كلمة أُسيء فهمها؛ ليست مذنبة بطبيعتها، ولا بريئة على إطلاقها، إنما هي مرآة النيّة. فهناك أنا التي تُعرّف، وأنا التي تشكر، وأنا التي تتحمّل المسؤولية، وهناك في المقابل أنا التي تُقصي، وأنا التي تُقارن، وأنا التي تتغذّى على إنكار الآخرين. فالخلل لا يكمن في الكلمة ذاتها، بل في القلب الذي ينطقها، وفي الغاية التي تُقال من أجلها.
القرآن الكريم لم يُحرّم “الأنا” بإطلاق، لكنه أدان الأنا المتعالية حين قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، فلم تكن المشكلة في “أنا”، بل في ميزان التفاضل الزائف، وفي ذاتٍ لا ترى إلا نفسها. وفي المقابل، يقدّم لنا القرآن نموذج “الأنا الواعية” حين قال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فكانت الأنا هنا تعريفًا بالكفاءة، وتحمّلًا للمسؤولية، وحراسةً للأمانة، لا غرورًا ولا ادّعاء.
ويقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فالتحدّث عن الذات حين يكون شكرًا لا يُعدّ رياءً، بل اعترافًا بالفضل ونسبةً للنعمة إلى واهبها.
وفي السنة النبوية، قال النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، فجمع بين “أنا” ونفى الفخر، ليؤسّس ميزانًا دقيقًا قوامه أن التعريف حق، والتعالي مرفوض، وأن الفاصل بينهما نيّة صادقة أو قلب متكبّر.
ولم يخجل الشعراء من “الأنا” حين جاءت اعتزازًا لا إقصاءً، فقال المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صممُ
فلم يهدم غيره، ولم يصادر مكان أحد، بل أثبت أثره بوضوح. وحين قال الحكماء: «من قال أنا هلك»، لم يقصدوا الكلمة ذاتها، بل قصدوا أنا الغرور التي تُغلق أبواب التعلّم، وتقتل فضيلة التواضع الحقيقي.
نخاف من الأنا لأننا خلطنا بين التواضع وإنكار الذات، وبين الأدب وإلغاء الإنجاز، وبين الاحترام والصمت القسري، حتى صار الناجح مطالبًا بالاعتذار، والمجتهد مطالبًا بالتواري، وكأن المجتمع لا يحتمل من يقول: أنا تعبت، أنا تعلّمت، أنا نجحت، دون أن يُدان أو يُساء الظن به.
أنا حامد بهذه النيّة؛ أقولها لأُعرّف لا لأُفاخر، وأذكر جهدي لأشكر الله لا لأصادر جهد غيري، وأثبت حضوري لأن الغياب المتعمّد لا يصنع تواضعًا، بل يمحو التجربة ويُطفئ الأثر. وأؤمن أن الإنسان الذي لا يعترف بنفسه بصدق، لن يستطيع أن يعترف بالآخرين بعدل.
ليست المشكلة في “أنا”، بل في القلب الذي يحملها؛ فإن خرجت من نفسٍ تعرف قدرها ولا تنكر فضل غيرها، كانت وعيًا ونضجًا وشكرًا، أما إذا خرجت من ذاتٍ لا ترى إلا ظلّها، فستبقى غرورًا ولو لبست ألف قناع.
أنا حامد، وهذه ليست نشيد تفوّق، بل بيان تصالح مع الذات؛ لأن من عرف نفسه حقًا، عرف كيف يحترم الناس أكثر
 0  0  5.7K