حين تتكلم المواقف وتصمت الأقنعة: "كل إناء بما فيه ينضح"
في مسرح العلاقات الاجتماعية، حيث تتداخل المشاعر وتتباين المصالح، تظهر حقيقة الإنسان كما هي، مجردة من التجميل والتمثيل.
وفي خضم هذا الواقع، يبرز المثل العربي العميق: "كل إناء بما فيه ينضح"، ليصف بدقة كيف يُفضح الباطن مهما طال الصمت، وكيف تتحدث المواقف حين تصمت الأقنعة.
الشدائد... عدسة كاشفة للنفوس
قد يتقن البعض فن الابتسامة، ويجيد التصنع في الكلمات، ويُظهر لطفًا مصطنعًا في المجالس، لكن لحظة واحدة من خلاف أو موقف ضاغط كفيلة بأن تكشف المستور.
فالمواقف لا تُجمّل، بل تُجرد.
وهنا، تتكلم النفوس بما فيها: من امتلأ بالخير، نضح وفاءً، ومن امتلأ بالحقد، فاض أذًى.
لا أحد يُخفي طبعه طويلًا… فكما لا يُنضح الطيب من إناءٍ خاوٍ، لا يصدر عن الحاقد إلا ما في داخله، ولو تظاهر بالصفاء سنينًا.
حيث تسقط الأقنعة وتُختبر القيم
في العلاقات الاجتماعية، وخاصة في لحظات الصدام أو المحك، تُختبر حقيقة القلوب:
– صديق الأمس، هل يظل نقيًّا عند أول خلاف؟
– قريب الدم، هل تحفظه المودة أم تسقطه الغيرة؟
– الزميل، هل تفضحه المنافسة أم تكشف نُبله؟
تلك اللحظات هي غربال القيم، وساحة الحقيقة.
تظهر فيها الأحقاد الخفية، وتنكشف النوايا المبطنة، وتُرفع الستائر عن المسرح.
كل ما تربّى عليه الإنسان يظهر بوضوح، وتُعلن التربية عن حضورها، ويتكلم الدين من عمق النفس، وتبدو آثار التعليم في ردة الفعل، لا في الشهادات.
الأصل راسخ… والزيف مؤقت
ليست الأقنعة سوى استراحة مؤقتة للزيف.
لكن الحقيقة لا تنام، ولا تظل حبيسة.
ومهما طال ارتداء القناع، هناك دومًا لحظة يكشفها الموقف، وتُختبر فيها النيات.
فأصل الدين، وأصل الدم، وأثر التربية، ومستوى التعليم، كلها عناصر تُشكّل الإناء، وتحدد ما ينضح منه.
والناس لا يحكمون على المظهر، بل على السلوك عند الخصومة، والكلمة عند الغضب، والموقف عند التقاطع.
خاتمة: ازرع في نفسك ما ترضى أن ينضح منك
في زمنٍ أصبح فيه التزييف مهارة، تبقى الأصالة هي البقاء الحقيقي.
و"كل إناء بما فيه ينضح"... فاختر بعناية ما تملأ به قلبك، لأنك حتمًا ستُختبَر، وحينها لا يُنطق إلا بما في الداخل.
اجعل إناءك صافيًا، ونيتك نقية، فإن المواقف آتية… ولن تُخفيك الأقنعة.